كَففْتُ عن الجِماحِ خُطى جِيادي
وآلَ بيَ الغُلوُّ إلى اقتصادِ
وأبليْتُ الصِّبا ولبستُ عنه
صِبا الآداب والرأيِ السَّداد
وهِمتُ مع السواد فمذ توارى
أطلَّ من البياض عليَّ هادي
مخضْتُ به الأمورَ فأُبْتُ منها
بزُبدةِ ما تخوضُ به النوادي
وهان عليَّ ما بالأمس ألْهَى
وكحَّل جفنَ عيني بالسُّهاد
أجلْتُ بصيرتي فدُلِلتُ فيها
على أسنى الكنوز من الرشاد
فلم أرقبْ سوى خيرٍ مُفادٍ
به أزكو وذُخْرٍ مُستفاد
إذا ما الدهرُ بالكُفران ماتت
به شِيَمُ الحفيظةِ والوِداد
بسطتُ به من الإيمان وجهًا
كدرِّيِّ الكواكب باتِّقاد
أذودُ النقصَ عن وطني وألقى
نوائبَه إذا عَدَتِ العوادي
وما زال الكرامُ به جبالاً
تسدُّ ثغورَ أودية الوِهاد
سلِ الغمراتِ عني حين تغشَى
رُكامًا كيف صبري واتِّئادي
نزعتُ فأتعب الدنيا نُزوعي
وضاق الكونُ منها عن مُرادي
وإني إن طغتْ حمّالُ عبءٍ
أرى رأيَ المقامرِ والمفادي
وحسّاسُ الشعور وليس عيبي
سوى أني حُشرتُ مع الجماد
وهل بين الشروقِ إذا تجلَّى
وما بين الغروب من اتحاد
برَى الديّان خَلْقًا من هناةٍ
حُثالةَ ما براه من العباد
وأشقاني الزمانُ بهم كأني
فتيتُ المسك أُودعَ في السَّماد
تُساجلُني بأخلاقٍ جُفاةٍ
بها اتَّسمَت وألسنةٍ حِداد
طوَتْ كشْحَ الفسادِ على جحودٍ
حداها للمهالكِ منه حادي
وما اعتنقَتْ من الأيام مَبدًا
تدينُ به سوى هدْمِ المبادي
وقعتُ على الصواب غداةَ حُمنا
وقد وقعَ الجناةُ على الفساد
إذا اقتسموا رأيتُ الإرثَ إرثي
عروبتَهم وقلتُ الضاد ضادي
وإني للخلود مددْتُ طرفي
وسقتُ إليه روحي واعتقادي
فما تُغني الحوادثُ فيَّ شيئًا
ولا يقوى الحِمام على ازدِرادي
سبرْتُ الكونَ في مغزاه حتى
نفذتُ به لأعماق الفؤاد
فجوهرُ ما رأيتُ نتاجُ فكري
وما يروي الفضيلةَ من مِدادي
أأتركُ بحرَها بالدُّرِّ يعدو
وألتمسُ الوحولَ من الثِّماد
زرعتُ وكم عنيتُ فكان زرعي
بغير جَدايةٍ عند الحصاد
إذا ما زدتُ في دهري متاعًا
وجدْتُ به النقيصةَ في ازدياد
أرى شخصي تهدِّمُه الليالي
وتأكلُه بأفواه الجَراد
خبا زهوُ الشباب فبار شكلي
وبتُّ من الأسى رِيِّي وزادي
وكان الروضُ عُرِّيَ من حُلاه
وجفَّتْ عنه أخلافُ الغوادي
نضوْتُ رداءه فذكرتُ فيه
شبابَ الدهر مخضرَّ النوادي
ولو خُيِّرتُ لم أخترْ سواه
ولم أخلعْه حتى في معادي
وأرهبَني بياضُ الشيب يحكي
لثامَ مُشيَّعٍ للتُّرْبِ غادي
فلم أملكْ مع الأحداث أمري
ولا ألفيتُ في كفِّي قيادي
رَكِنتُ من الحياةِ لنابِ أفعى
بناقع سُمِّها طرَقَتْ مِهادي
فما أشفقْتُ من عطبٍ ولكنْ
سبَحتُ بها ببحرٍ من رُقاد
ولم أعلمْ مع الأحرار تجري
قضيَّتُها على عكس المراد
يُطيِّبُ داءَها مَنْ أمرضَتْه
ويرويها من المعروفِ صادي
وللأيام كفٌّ من حديدٍ
إذا ضربَتْ وقلبٌ من جماد