لك السعدُ ما دنيا المحبِّ المروَّعِ
سوى مهجةٍ حرَّى ووَكّافِ أدمعِ
تُبادلُه منها بأكرم ما وعى
من الحبِّ والإنصافِ ألأم ما تعي
تواثبتِ الأحداثُ من كل وجهةٍ
إليه وخفَّ البينُ من كل موضع
ولكنها ما أنقضَتْ ظهرَ صابرٍ
ولا أوهنتْ بالجود عزمةَ أرْوَع
يُعير الرزايا منه نفسًا كريمةً
لما فاتَ لا تأسى ولم تتوجَّع
إذا ضاق فيها الدهرُ يومًا برحْبه
تلوذُ بصبرٍ منه أوفى وأوسع
طغى فوقَها بُردُ التجمُّلِ ما ارتدَت
بأحسنَ منه في القلوبِ وأروع
تحرَّيتُ فيها النُّبْلَ لا مُتشعوِذًا
ولا تائهًا في حَيْرةِ المتسكِّع
ونُبِّئت أن الفجرَ ليس لماكرٍ
وأن العُلا ليست لأجدعَ أقطع
وهل عابني للناس أنِّيَ ماجدٌ
رعى ذمَّةَ الإخلاص فيها وما رُعِي
تعفَّفتُ والدنيا لمن هان جَنّةٌ
فألفيتُ في الحرمان غايةَ مطمعي
وشاركتُ أهلَ البؤس في طعْمِ بُؤسهم
وأغلبتُ في آماقهم كلَّ مدْمع
وأسديْتُ للأيام شكرانَ مُنعمٍ
وقد أرهقَتْني بالبلاء المروِّع
فلم تُطغِني الدنيا بزخرُفٍ لهْوِها
ولم يَزهُني فيها تألُّه مُدَّعٍ
ولا سكْرةٌ فيها أعيش مُعربدًا
ولا أثرةً مني فتُوغرُ من معي
وما المجدُ إلا ما زكا وتطاولَتْ
دعائمُه في ظلِّ عيشٍ مُرقَّع
نبذت أباطيلَ الحياةِ لمن بكى
عليها بكاءَ الفاقدِ المتلوِّع
ويمَّمْت وجهَ القصد وحديَ راشدًا
على سننِ المعروف أمضي بمَهْيع
أمدُّ إلى الأحياء نظرةَ واجمٍ
جنائزَ موتَى للقبور مُشيِّع
وجوهٌ على أعتاب كلِّ مذقَّةٍ
أسَفَّ الهوى فيها وقال لها اركعي!
إذا ما بدا برقُ المطامع أتلعَتْ
إليها بجِيدِ المشرف المتطلِّع
عباديدُ لو فتَّشت عنها خِباءَها
لعاينْتَ منها مصرْعًا إثر مصرع
أجاذبُها حبلَ الوداد بشافعٍ
إليها من الأخلاق غير مشفَّع
ترامَتْ بها أحسابها لابْنِ ضلَّةٍ
إلى الأرض حطَّتْه المسا غيرَ طيِّع
من الحمأ المسنون يختالُ سادرًا
على ظهرها في حمْأة الغيِّ يرتعي
تحكُّ السماوات العلا في مُتونها
بغمرةِ مفتونٍ وطغيانِ مبدع
وتائهةٍ إن تُبصرِ العُميُ أبصرت
هُداها وإمّا تَسمعِ الصمُّ تَسمع
إذا ما تولاّها مُضِيعٌ لأمرها
قضى بعده بالجَورِ فيها لأضيع
على ضِلَّةٍ إمّا هوَتْ وتسابقَتْ
مسابقةَ الهِيم الظِّماء لمشْرَع
تخيّلتُ يعقوبًا من الشوق حانيًا
على يوسفٍ في قلبه المتصدِّع
وكم سادَ باسمِ العدل ظالمُ أمّةٍ
وحامَى على سَوْآته غيرَ مقلع
أمنتجِعًا قسْطَ الحياة بروضها
ويرقبُ من شمس الهدى خيرَ مطلع
خذِ القول عنها في طويَّة أمرِها
لعلَّك منها قد وعيتَ كما أعي
دهى الأرضَ طوفانُ الهلاك فعمَّها
ولم يبقَ منها للرَّجا قيدُ إصبع
رويدكَ ذا طوفان نوحٍ وهذه
سفينتُه في موجها المتدفِّع
فما قيل يا أرضُ ابلعي لُجَّ مائِه
ولا قيلَ يومًا للسما عنه أقلعي