أيها النايُ،
عِمْتَ مساء ،
وطبتَ مدى الدهر.
لازال تغريدك المُشتهِى يتوالدُ في دمنا ،
وهو يحملُ نبضَ الخِليقةِ ، منذُ انبعاثتها ،
وأنينُكَ يسرِي، بأرواحنا ،
ويرفرفُ في الكونِ ، منذُ الأزلْ.
أنت ميلاد ُأصواتنا ،
وغبارُ الحروفِ ،
التي نَسَجتْ، لُغةَ الحبّ،
قبل اختراع النداء.
لم تزل تتشرَّب ُأنفاسُك َالريح ،
تغزلِها نغمًا ، يتطايرُ،
خلف ثقوبِ المسافات ،
خلف جدارِ السُّكون.
للمحبّة والأُ لفَة ِالمستديمةِ ،
تجمعُ أفئدةَ الناس ،
تُشرِقُ كالطَّيف ،
تحملُ رجع الصَّدى،
وارتعاشَ الَمَدى ،
وانبعاث الحنين.
تتفتّح في قسماتِ العواطفِ ،
تُزهرُ ، في جنَبَات المكان .
المواويلُ ، آهاتنا المُشتهَاةُ ،
أسرارُ، أسرارِنا ،
الخبيئةِ ، بين الكلام المنمّقِ ، والصمت ،
الحبيسةِ ، بين البُكا ، والعويل ،
الدفينة بين الشَّقا ، والحنان .
كلُّ جسم ٍ ، لهُ وترٌ، قالَ ،
ما لا تقول العصافير،
ما لاتقولُ الحروفُ بأجمعها ،
والذي صَنَعَ العُودَ،أوْصَى ،
بأن لا نضيفَ لهُ ، وترا ً،
أن نوقِّعَ ، في نَغْمةِ الشرق ِ، أرباعَها ،
ونغنّي على ذِ كر إسحقَ ، في مجدهِ ،
أغنيات ِالكَمال.
لم يزلْ ذلكَ الصوتُ ، يعبُرنا ،
وهْوَ يرسِلُ آيٍ الحروف ،
مَقَاما ً، وتفعيلة ً،
تتورَّدُ ، في وجنةِ القلب ،
تملؤهُ نشوة ًوابتهال .
البيانو ، عميد المسارح ،
دويٌّ ورَجْعٌ ، يضجُّ بذاكرة الفن ،
في خشباتِ المسارح .
يعبرُ أوديةً وقروناً ،..إلى ذوقنا ،
يتملَّكُ احساسنا ، وهو ينداحُ ،
من كرنفال أثينا ،
وأروقة الحفلاتِ القديمةِ ،
من وَهَج ، المُلْهَمِين ، العِظامْ .
يغمرُ أفئدة الإنتشاء الجماعيّ ،
يُغدقُ أوسمة الإستماع الرصين.
رتلٌ من النغم المتوالد ،
يغمر بالنغمات الوجود.
تشرئبُّ لإيقاعهِ صحوات المنى،
وتثور على شدوهِ ،
رغبةُ الإحتفال .
سُفُنُ الرُّوحِ مبحرةٌ ، لاتزالُ ، بأعماقنا ،
من تفاعلهِ ،
وهي ترنو الى السبَّقِ ، والإرتحال .
أيُّ قيثارةٍ لاتحرِّكُ في صمْتِكَ المُرتخِي ،
صوت أنثى ،
أي قيثارةٍ ، لاتفتحُ ذاكرة العشق ،
لا تشدُّك نحو غواني طُليطلةٍ ،
وتجرُّك نحو زخارف قُرطبةٍ وحدائقها.
فتنامُ ، وتصحو، على حُضن زرياب .
أيُّ قيثارةً لا تُحَرِّك خِصراً ولا قامةً ،
وهي تغدقنا بالتواشيح ،
تُمطرنا بالخشوع ،
وتغمُرنا بالتوسُّل ، أوبالتَّوَلُّهِ ،
في رقصات السَّمَاحْ .
الحروف تُوقِّعُ ، ما يرغبُ الناس ،
واللحن يعزفُ ، ما تبتغيهِ الحياة .
شجنٌ ، وحنينٌ ، تقاسيمُ رؤيا ،
يجُودُ بها نغمٌ ، يتهدَّج ُ في السمع ،
يضربُ ، أطنابهُ في المشاعر،
يجمعُ رابطةَ الكائن ِالحيِّ ،
بالملكوت .
الجراحُ ، التي تتكدَّسُ ،
تهفو إلى نغم ٍ يتخلّلها ،
ويجُسُّ ثقوبَ جوا رحها ،
لتسدُّ به ، عَوَزَ الروح ،
تُطفِي بهِ ، غضبَ النفس ،
تغمِسُ أوجاعها ،
في بَرُودِ التناغمِ ، والإنسجام .
سلبَ الأقدمون عواطفنا ،
حين غاصوا وغاصوا ، ولم يرجعوا ،
من ضبابية النص،
من شطحات الكلامْ .
لم تكنْ ، من رجالاتنا ، أمَّةٌ ،
يرحلون مع الصوتِ ،والضوء ،
يُرْجِعُونَ لنا ، نَبَأً واحدًا ،
ويجيئون من سباءٍ بيقين .
كم دَرَجْنا على ذ كر ليلى ،
ولكننا ما وجدنا طريقاً إليها ،
كم شكونا من الهجر ، والبُعدِ ،
حتى جعلنا الغرامَ ، هو العشق ،
والعشق، ماهوَ ، الاَّ العذاب الأليم .
نصف قرنٍ ، ولانبض في دمنا ،
غيرصوت امِّ كلثوم ،
لاشيىء يطربنا غير فيروز ،
أوصوت عبد الحليم .
لاشيئ يوقظنا ، غير صوت ذبيحِ ،
يئنُّ ببغداد ،
أورنَّةٍ ، من تراثٍ قديمْ .
الغناءُ لدينا ،...
جراح ٌ، تُغنِّي ،
صدىً ، في جوارحنا ، يتألمُ .
دمعٌ يسبِّح للمستها مين ،
تنهيدةٌ ،
تتمطىَّ خلال حناجرنا،
وهْيَ تملاءُ أعما قنا نشوةً ،
بالعذابْ.
والغناءُ، انتصارٌ على الظُّلمِ ،
تعويذةٌ للأسى ،
والتفافٌ ، على فكرة الإنتقام .
هو أيقونةٌ تتنغَّمُ ،
ذبْذبةٌ ، تتبسمُ ،
دندنةٌ ، تتعالى ،
وأرجوحةٌ ،
تتنفسُ من حولنا،
بالبنفسج والأرجوانْ .
ترنيمة ، وبطاقةُ حبٍّ ،
تطرِّز أحلامنا بالشبابْ .
أينعت بالإجابة أوتار أعماقنا ،
وهي ترسل أمواج فتنتها دهشةً في القلوب ،
يُوقعهُ نغمٌ ، يتنفس مِلءَ الشروقْ .
فالكلامُ المُغنَّى ،
له نفسٌ مفعمٌ بالحنانْ .
تستريح على شفة اللحن ذاكرةٌ ،
عفَّرتها السُّنون .
وتصحو على نغمة العود ذاكرةٌ ،
من زمان الصِّبا.
كلّمَا هبطَ القلبُ ، ثارت غرائزنا ،
لارتشاف الأغاني ، وتكرارها ،
واقتفاء الشَّجَى ،
من أنين القياثر،
أو سقسقاتِ الكَمانْ .
كيف تهربُ من هَوَسِ الإفتقار،
إلى كلِّ شيئٍ ...،
إلى الفوز بالشيئِ ، نفسِهْ .
كيف تُعلِنُ وقتَ انسلاخك ،
من شغف الكسبِ ، والإقتناءِ ،
إلى سُندس الإرتخاءِ الأنيقْ .
كيف تجمعُ ضوءك في نجمةِ ٍ،
و تبعثره ُ كيفما شئتَ ،
أو كيفما يشتهيهِ البريق .
كيف تشرحُ نفسكَ؟
حين يثور الحنين بها ،
وهي تمنحُ سرّ امتلاك السكينةِ ،
عند الترنُّم في عتمةِ الليلْ .
حين تثُور بها لهفةٌ ،
للتأرجح بين السموات ، والأرض ،
حين يُعربد شوقٌ بها ،
مثل شوق الرياح إلى ربوةٍ ، لم تطأها .
حين يولدُ فيك الحنين ُإلى الإرتماءِ ،
بوادٍ من اللحن ،
حصباؤهُ..من عقيقْ .
أينعت بالإجابة أوتار أعماقنا،
وهي ترسلُ أمواج فتنتها،
دهشةً في القلوب.
يوقِّعهُ نغمٌ،
يتنفسُ ملءَ الشروق.
المقامات أسفارُ حبٍّ ،
تُطرِّزُ إبرِيزَ أحلامنا ،
بالبَهَآءْ.
والمزاميرُ كانت طريقا ، إلى وعيِنا ،
والمزاميرُ، كانت ، طريقا إلى الله .
نافذةً لليقين .
الطبول قرابينُ أفراحنا ،
وانتصاراتنا ،
ولهاثُ مشاعرنا.
دويّ معاركنا ،
وتراتيل أجدادنا.
وهي نبض الولاءِ المخلّدِ ،
والانتماء العريقْ .
يا مواكب أجيالنا اتَّصلي ،
يا كتائب أفراحنا ،
ياصفوفَ النشيد ،
ويا جوْقةِ ، البَا لَةِ ، اليمنيةِ.
إرسِلوا نغمَةَ الدَّان ،
من حضرموت المجيدة .
غنُّوا لنا بالبسيطِ (الثنائي)،
مقاماً ، وشَرْحًا ، وأنشودةً ،
واعزفوا بعض ما قالهُ شرف الدين ،
في كوكبانْ .
جدِّدوا عهدكم ، للخفنجي ، ونشوان ،
وابنِ هُتيْمِلْ .
إفسِحوا ،لابن محضار ، والسالمي ،
والقومندانْ .
إمنحوا الآنسي وابنَهُ لقَباً ،
أو فسَمُّوا بإسمهما ، شا رعاً ، أومكانْ .
غنُّوا لوحدتنا ، ولأفراحنا ،
مجِّدوا نصرنا ،
شنِّفوا بالمزامير ، أسماعَنا ،
ثم دُقٌّوا طبولَ الغساسنةِ ، الأقوياءْ .
إجعلوا جَسَدَ الأرض ِيهتزّ ،
والرَّملُ ، يرتجٌّ ، في قارعات الطريقْ .
إصعدوا ، من جنوب الجزيرةِ ،
واسْرُوا ، مع الليل ،
غنّوا بألحانكم في طريق القوافلْ ،
حتى جنوب العراق.
عُودوا من الشَّامِ ، حتى مُروج الصَّعِيدْ .
مرٌّوا بأندلسٍ ، والرُّصافةِ ، والجسر ،
غنّوا عيون المَهَا ، وقُدودَ الغواني الملاحِ ،
انصُبُوا قٌبَبَ الفاتحين .
أحيُوا بأجسادنا لُغَةَ الرَّقص ، والعنفوانِ ،
استعيدوا مشاعرنا ،
اجعلونا نعوِّض مافاتنا من حنين .
أتركُوا خَيْلنا تنْتشي ، وتُقوِّسُ أذيالها ،
تتغنّجُ ، تزهو..
تهزٌّ القلائدَ في نحرِها ،
وتدغدغُ أسماعنا بالرَّنين .
كم صبرنا على صبرنا،
كم صمتنا ،
وكم فات في عمرنا من سنينْ .
يفسدُ الفنُّ إن صار للبيع، أوللشراء،
مثلما يفسد الورد إن صافحتهُ الأيادي،
مثلما يفسد الجسد الأنثويُّ،
إذا أنتَ عرَّضته للهواء.
وقفت عربات المقامات،
في مغرب الشمس،في شرفات الحضارة.
ضاعت هوادجها في غبار المعادن.
زالَ في النهاوند الأنين.
سال دفقُ البياتي ،على الأرض،
غارت ينابيعهُا في رمال الصحاري،
وبالقرب من غابةٍ للطبول.
والطبول قرابينُ أفراحنا،وانتصاراتنا،
ولهاث مشاعرنا.
دويّ معاركنا،
وتراتيل أجدادنا.
وهي نبض الولاءا المخلّد،
والانتماء الدفين.
.يدخل الفن عصر الخطيئة.
والبوقُ يعلن دولتهُ،
يتلاقح ُبالآلة الوتريةِ.
ينشد ُ، رُفقتها ، ويغازلها.
من ورآء الصفوف.
مستعيناًَ بصنّاجةٍ من نحاس.
وُطبُولٌ تحاورهُ، وتدقّ على صدرهِِ،
بيد العنف ،
حتى أطاح بهِ الأُورج،
أو ربَّما اغتاله السكسفون.