الدَّهرُ مِفتاحُ أَبوابٍ مُوَصَّدَةٍ
يُريكَ وَجهًا وَيُخفي بَعدَهُ تَاهُ
يَسري وَنَحنُ نُسَمّي السَّيرَ مُهتَدِيًا
وَما دَرَينا أَنَّ السَّيرَ إِضلالُهُ
نَحسَبُ الوَقتَ مِلكًا لا يُنازِعُنا
وَالوقتُ أَدرى بِمَن يَفنى وَمَن فاهُ
نُنشِئُ الرَّأيَ أَحكامًا نُدافِعُها
كَأَنَّها الحَقُّ لا يَعتَريه سِواهُ
وَما الحَقيقَةُ إِلّا أَن نُجَرِّدَها
مِن الهَوى، فَيَبينَ الصِّدقُ أَسناهُ
يَغوي البَريقُ عُيونَ النّاسِ فَيَتَّبِعونَ
وَما دَرَوا أَنَّ بَرقَ الزَّيفِ أَعماهُ
يَضحَكُ المَرءُ وَالأَسبابُ خادِعَةٌ
كَأَنَّها ثَبَتَت، وَالوَهنُ يَغشاهُ
وَيَبكي إِذا انكَشَفَت عَوراءُ لَذَّتِهِ
وَالصَّبرُ يَسأَلُهُ: أَينَ الَّذي رَبّاهُ؟
وَالناسُ تَعرِفُ وَزنَ المَرءِ ظاهِرَهُ
لا عَقلَهُ، فَيُسَمّى الوَهمُ مِقياسُهُ
وَالصِّدقُ وَحدَهُ نَجْمٌ لا أُفولَ لَهُ
إِن ضَلَّ رُكبانُ لَيلٍ طالَ مَسراهُ
وَالزَّيفُ يَلمَعُ لَمْعًا لا ثَباتَ لَهُ
كَسَحْبَةٍ خادِعَةٍ أَغرَت بِمَغناهُ
وَالناسُ تَجتَمِعُ الدُّنيا إِذا وَجَدَت
مَكاسِبًا، ثُمَّ إِن مَالَت تَبَرّاهُ
وَالمُخلِصونَ قِلالٌ في مَواطِنِهِم
كَالسَّيفِ يُعرَفُ عِندَ الشِّدَّةِ المَضناهُ
لَيسَ النَّقاءُ ادِّعاءً يُستَعارُ لَهُ
بَل مِحنةٌ يَفتَضِحُ الأَصلُ إِن دَاهُ
والنفسُ طفلٌ، وتربيتُهُ قَدَرٌ
إمّا هُدىً نَمَتِ الأيّامُ ترعاهُ
أو تُرْسَلُ الشهوةُ العمياءُ سائبةً
فيحكمُ الشرُّ، لا عقلٌ ولا ناهُ
طوبى لِمَن ضَبَطَ النَّفسَ الَّتي نَفَرَت
فَاستَوتِ الرّوحُ لَمّا قُوِّمَت أَدناهُ
لَم يَستَحِلّ زَلَلَ الأَيّامِ مُعتَذِرًا
وَلَم يُداهِن لِرُخصٍ زَيَّنَت خَطَاهُ
يَعلَمُ أَنَّ الطُّرُقَ وَعراءُ مُظلِمَةٌ
وَأَنَّ أَصدَقَها ما شُقَّ بِتَقواهُ
يا سائِلَ الدُّنيا وَهيَ لا تُجيبُكَ
هَل جَرَّبَ السُّؤالَ مَن أَضناهُ مَغناهُ؟
المَوتُ أَوضَحُ مِمّا نَستَتِرُّ بِهِ
وَالقَبرُ أَصدَقُ مِمّا زُيِّنَت دُنياهُ
ما كُلُّ ما يَشتهيهِ المَرءُ يُدرِكُهُ
كَم غايةٍ صارَ فيها الهَلكُ مَسراهُ
إِنَّ الرَّغائِبَ إِن لم تُمسِكِ العَقلا
أَورَثنَ صاحِبَها نُقصانَ مَعناهُ
لا تَحتَقِر صالِحَ الأَفعالِ تَفعَلُهُ
فَالماءُ يَثقُبُ صَخرًا طالَ مَجراهُ
لا تَحتَقِر صالِحَ الأَفعالِ تَفعَلُهُ
فَالذَّرُّ يَصنَعُ أَجْبالًا إِذا تَلاهُ
وَكُلُّ فِعلٍ سَيَأتي يَومَ خَاتِمِهِ
فَاختر لِنَفسِكَ ما تُرضي عُقباهُ
وَكُلُّ فِعلٍ سَيُحصى لا مَحالَ لَهُ
وَالمرءُ يَحصُدُ يَومًا زَرعَ يَداهُ
تَلهو وَعُمرُكَ أَنفاسٌ مُقيَّدَةٌ
مَعدودَةٌ، وَالَّذي أَحصاها أَحصاهُ
كَم راحِلٍ ظَنَّ أَنَّ الدَّربَ يَحمِلُهُ
حَتّى تَبَيَّنَ أَنَّ الدَّربَ أَلقاهُ
وَكُلُّ حَيٍّ إِذا ما بَلَغَ المُنتَهى
لَم يَجِدِ العُذرَ إِلّا ما جَنَت يَداهُ