هو الحيُّ الذي يحكي الجمادا
ويُشجي في مصيبته الفؤادا
هو الأعمى الذي يشكو ظلامًا
عليه دام يشتدّ اشتدادا
ويطَّلب النهارَ فلا يراه
وليلُ عماهُ يزداد ازديادا
هو المكفوف لم ترَ مقلتاه
ضياءَ الشمس يتَّقد اتقادا
هو المحفوف دومًا في سوادٍ
ولم يدرِ البياضَ ولا السوادا
هو الأعمى الذي قد ظل يسعى
ولم يبلغ من الدنيا المرادا
ولم يعرف من الألوان لونًا
ولا نظر الطبيعة والبلادا
ولم يشهد طريقًا سار فيه
وقد ضلَّ الطريقَ وما استفادا
كفيفَ المقلتين هداك ربي
أضعتَ بفقْد عينيك الرشادا
ففي العينين مصباحٌ لعقلٍ
يرى العقلُ الصحيح به السّدادا
وفي العينين مرآةٌ لقلبٍ
يرى القلب الحكيم به انتقادا
وفي العينين أفصحُ ترجمانٍ
عن السرّ الخفيِّ لمن أرادا
ضريرُ المقلتين دهاه دهري
بما أبكى له الصخر الجمادا
فلم يَدِرِ اليراعَ براحتَيْه
ولا شام الربيعَ ولا العِهادا
ولم يرَ في الحياة سوى سوادٍ
كأن حياته لبستْ حِدادا
ولم يحفظْه من حجرٍ تَوَقٍّ
ولا ملكتْ عصاه له القِيادا