أَنَا صَانِعُ السَّاعَاتِ
أَصْنَعُهَا وَلَكِنْ دَائِمًا مَا كُنْتُ أَعْمَى
الْكُلُّ يَرْآهَا وَلَكِنْ لَا أَرَاهَا
دَائِمًا أَسْتَيْقِظَنْ
فِي السَّاعَةِ الْأُولَى مِنَ اللَّيْلِ الظَّلَامِ
فَلَا أَرَى أَحَدًا مَعِي حَتَّى يُؤَنِّسَنِي
وَلَا أَجِدَنَّ أَيَّةَ مَطْعَمٍ أَوْ قَهْوَةِ
أَنَا عُمْلَةٌ لَا يَعْمَلُونَ بِمِثْلِهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ
إِلَّا أَنَّهَا مِنْ أَلْفِ عَامٍ سُكَّتِ
أَنَا شَجْرَةٌ زَرْقَاءُ وَارِفَةُ الظِّلَالِ
وَشَمْسُ لَيْلٍ أَلْيَلٍ غَابَتْ فَأَنْكَرَهَا الْجَمِيعُ
وَسُكَّرٌ مُرٌّ
وَبَحْرٌ أَخْضَرُ
وَسَحَابَةٌ حَمْرَاءُ تُمْطِرُ بِالدِّمَاءِ عَلَى أَهَالِيهَا
وَبَدْرٌ أَصْفَرُ
وَدِيَانَةٌ لَا يُؤْمِنُونَ بِمِثْلِهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ
إِلَّا أَنَّهَا مِنْ أَلْفِ عَامٍ دِينَتِ
أَنَا كُنْتُ صَنَّاعَ الطَّرَابِيشِ الْقَدِيمَةِ
مُنْذُ قَرْنٍ أَوْ ثِنَيْنِ
وَكُنْتُ صَنَّاعًا سُيُوفًا مَاهِرًا
لَكِنَّهَا مَاتَتْ فَمَاتَتْ صَنْعَتِي
وَزَرَافَةً بَيْضَاءَ قَدْ قُتِلَتْ
عَلَى أَيْدِي الَّذِينَ رَأَوْا مَحَاسِنَهَا مَسَاوِئَهُمْ
وَأَنَّ بِقَتْلِهَا عَمْدًا مَكَاسِبَهُمْ
وَلَكِنَّ الزَّرَافَةَ هَذِهِ انْقَرَضَتْ
فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ قِطْعَةٍ مِنْ نَوْعِهَا
وَاللهِ كَانَتْ تِلْكَ آخِرَ قِطْعَةِ
وَقَصِيدَةً كَانَتْ مُعَلَّقَةً عَلَى الْأَسْتَارِ
قَدْ قُتِلَتْ عَلَى أَيْدِي النُّحَاةِ لِكَثْرَةِ الْإِعْرَابِ
ثُمَّ رِوَايَةً قُتِلَتْ هِيَ الْأُخْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّوَاةِ
وَكُنْتُ أُغْنِيَةً يُغَنِّيهَا الْجَمِيعُ
وَفِي الصَّبَاحِ وَفِي الْمَسَاءِ
وَنُكْتَةً قَدْ بَاخَتِ
يَا صَانِعَ السَّاعَاتِ
لَا تَحْزَنْ لِأَنَّكَ لَا تَرَى
لَا تَبْكِ ثَانِيَةً
فَلَمْ تَكُ يَا صَدِيقِي وَحْدَكَ الْأَعْمَى
وَلَكِنِّي أَخَذْتُ بِغَيْرِ قَصْدٍ
سَاعَةً كَانَتْ عَلَى الْكُرْسِيِّ لَيْسَتْ سَاعَتِي
وَتَرَكْتُ عِنْدَكَ دُونَ قَصْدٍ سَاعَتِي