ها قَدْ أتيتُ اليوم َ بعدَ غيابِ ...
حتى وَقَفْتُ معَ الغرامِ ببابي...
يا مَنْ قطفتِ بنفسَجاً مِنْ أضلُعي...
وسَقيتِني كأساً مِنَ العنّابِ...
أنتِ الفُؤادُ وَ مِنْ شِغافِكِ أرتَدي...
ثَوباً يَشُفُّ بِعِشقِك الخلّابِ...
بغدادُ كحّلَها السُقامُ بِكُحلِه...
كَيْما يُخَطَّ الحُزَن ُ بالأهْدابِ ...
وَلّى الشبابُ وغصْنُ شَيبي أخضرٌ...
بي مِنكِ مِنْ ذِكراك ِ زهوُ ُ شبابي...
في مخدَع ِ الأهْدابِ تَرقُدُ دَمعَتي...
وأحِسُّ طعْمَ أجاجِها برضابي...
يا كرخُ خذْ لونَ الصَبابَةِ وا عْطِني...
لونَ السَوادِ لشَيْبَتي وخِضابي...
ّيا أيُّها القَمَر ُ المُنيرُ بِغُربتي...
في الليْل يَطرُق بالهَوى أبوابي...
إنّي وَجمرُ الغائبينَ بخافِقي...
أشْكُو الهوى العذريَّ للأحبابِ...
مَنْ لي وَقَدْ هاجَتْ رياح ُ خَوالِجي...
بنَسائِمِ الصوبينِ مِنْ أصحابي...
لأشُمّ َعبْقَ الساكِنينَ بمُهْجَتي...
وأفيقَ مِنْ هَوَسِ الهَوى الغَلّابِ...
طيفُ الخَيالِ كَطيفِها لما انثَنى...
لكنّهُ بالوصلِ صارَ يُحابي...
يا مُلتَقى الشِعْرِ المُضمّخِ بالنَدى...
تِلكُمْ سُعادُ تعثَرّتْ برَبابِ...
ناجَيتُكُمْ شِعراً يَطيبُ بجمْعِكمُ ...
تشدو بِهِ الأحسابُ للأنسابِ...
أوتادُهُ الغرقى برقرقِ دجلةٍ...
تشْدو الفُراتَ توجّعّاً بعِتابِ...
أنا جئتكُمْ بِيَدي الرَصافَة ُ كُلُّها...
بالنَخْلِ وَالجوريِّ واللبلابِ...
وَيَدٌ بِها كرخٌ يحنُّ لأهلِهِ ...
فَخُذوا يَديَّ اليومَ بالترحابِ...
بغدادُ أُمي وَالعُروبَة ُ تاجُها...
لا تَنْحنى للغزوِ وإلإرهابِ...
تلكُمْ بَقِيَّتُها كنَبضَةِ خافِقي...
تَبكى احتِلالاً جاءَ بالأغرابِ...
بَغْدادُ كحلَّها الدُخانُ بقبحِهِ...
حتّى أسالَ الدمعَ بالأهْدابِ...
ظمأى كمُستَسقي الغَمامَ يؤمُّهُ...
يأسٌ تعْتّقَ خَلْفَ كُلِ سَرابِ...
أو كاليَتيمِ تَلاحَقَتْ أَنفاسُه...
بَينَ اللِئامِ يَلوذُ بالأَعتاب...
لهَفي على جوريِّها إذ يَرتجَي...
ريَّ السَحابِ وَلاتَ حينَ سَحابِ...
أحكي لَكُم ْ عنْ أهلِ بغدادَ الأُلى...
كانوا نُجومَ العُرْبِ وَالأحسابِ ...
همُْ للجَمالِ مَدينةٌ وَحَضارةٌ ...
في بَيتِ حِكمتِهمْ ذوو الألبابِ ...
كانوا القصائِدَ والخطابةَ والحجى ...
بِقَديم ما حَمَلوا من الآدابِ...
يَسْقي العَطاشى ماؤُهُمْ فَكأنهُ...
شَهْدٌ يَصُبُّ بِرائقِ الأَكوابِ...
وَبِها مِنَ النُعْمانِ كاظِمُ غَيظِهِ ...
وبِها هُناكَ ( الشَيْخُ ) في الأَقطابِ ...
فَغَدَتْ عَلى مَرِّ الزَمانِ طلولُها ...
للباكِياتِ كلوعَةِ التِنْعابِ...
عَفَتِ الرِياح ُ عَلى دِيار أحِبَتي ...
للهِ أرضٌ دُ نّستْ بمصابِ...
أَيْنَ القِبابُ الشامخاتُ بِكَرخِها ...
ومساجدٌ قدْ ز ُيّنتْ بقِبابِ ...
تلكَ السنونُ مضتْ بنخوة ِ مَنْ مضى...
وَاليومَ ضاعَتْ نخوةُ الأَصلابِ...
صَبَّ الغُزاة ُ النارَ فَوقَ بُيُوتِها...
وَغَدَت ْ حبيسَةَ وهْنِهِمْ كعَذابي...
قدْ فارقتْ أبناءَها بينَ الوَرى ...
ذَهَبُوا.. فَليَسَ لَهُمْ أَوانُ إيابِ ...
بَقِيَتْ على بَغداد أَطلالٌ لها ...
بَقْيا البيوتِ كمِثلِ سِنِ حِرابِ ...
إلا بَقايا ها هُنا أو ها هُنا...
شادُوا بَقاياها على الأطنابِ ...
راياتُهُم باللهِ تَعْمُرُ ما مضى ...
حتى يَزول َ اليَومَ كُلُّ خَراب ...
وَأَنا بِها البَدَويُّ يحْمِل رحْلَهُ...
وَربابةٌ تَشْدو بِغَير ِ رَبابِ ...
قَدْ مَلّني مِما بَكيتُ عَواذِلي ...
مِن بَعْدِ ما قَدْ مَلني أترابي ...
سألوا: أتبكي كرخَها؟ لا تنتهي؟...
فأجبتُهم: كَرْخي يَرُدُّ جَوابي ...
أناْ عاشِقُ الصوبينِ أرّقَهُ الهَوى ...
حيرانَ بينَ الناسِ والأحزابِ...
طلبوا لها عيْبَ الزَمانِ بِغَدرِهِمْ ...
خابوا فما طبعُ الزمانِ يحابي...
بَغدادُ يا وَجعاً تلذُّ جِراحُهُ ...
إني شَدَدْتُ إليْكِ مِنكِ رِكابي ...
وَقصائِدي ومدامِعي ومواجِعي ...
بكِ أنتِ يا بَغدادُ دونَ حِسابِ ...
أنت القَريبةُ وَالحَبيَبةُ وَالَهوى ...
وَحَقيقَةٌ بانَتْ بِغَيرِ سَرابِ ...
يَفديكِ مَنْ يَفديكِ دونَ تَمَنُّنٍ ...
مِنْ حاضِرٍ أو غائبٍ لعتاب ِ...
سَيَعُودُ ( جُوريُّ) الرصافَةِ عاطراً ...
وَيَعودُ عذقُ الكَرخ ِ بالأرطابِ ...
وتمُرُّ فيكِ الحادثاتُ وَتَنتَهي ...
مَرَّ السَحابِ على صخورِ هضابِ...
يا عِشْقَ هارونِ الرَشيدِ وَتاجَه ...
مِنْ سالفِ الأَيّام وَالأحقابِ ...
أشكوكِ مِنْ وجعٍ يلوكُ بِضِرسِهِ...
سَبْعاً عِجافَ الزرعِ والأحْ لابِ ...
ما كُلُّ مَنْ عَرَفَ الهَوى كَكُثيِّّرٍ...
يُغري بِعزةّ َ مِنْ قَديمِ عِتابِ ...
أو كُلُّ نوّارٍ يَهيمُ بِحُبِّها...
قلبٌ فَرَزْدَقُهُ كَشِعْرِ الشابي...
أو كُلُّ مَخْضوبِ البَنانِ جَريرُه ُ...
يَهْجو سُعادَ تَزلّفاً لربابِ...
( بانت سُعادُ) فَهلْ يبينُ زُهيْرُ ها...
كالبرلمان ِ إذا مضى بنصابِ...
يا أيّها الملأ ُ المُخَضّبُ بالضَنى...
بغدادُ أدرى مِنكُمُ بِمصابي...
يا ناعِقاً فَوقَ الخَرائِبِ في الدُجى...
أضحَيْتَ بوماً ناعباً في الغابِ...
عَيني على الحَسراتِ يَرجُمُ دَمعُها ...
والقَلب يُرْجَمُ في النَوى بِتصابي...
صِدقاً فديتُك يا عِراقُ بمُهْجَتي...
رَغمَ الخَؤونِ الفاسِقِ الكذابِ ...
الله يا هذا العراقُ بِأهْلِهِ...
سَيفٌ يشمُّ اليومَ دونَ قِرابِ...
يوماً سَيأتينا المَسيحُ مُسَبِّحاً...
لِيَقودَ خيرَ الناسِ في الأنسابِ...
يا مَهْدَويَّ الناسِ فاغرِفْ بالهُدى...
مِنْ سُنةٍ جُمِعَتْ بخَيرِ كتِابِ...
يا أيها الكَرخِيُّ... بابلُ لا يُرى...
منها سِوى طاقٍ هو ى بِتُرابِ...
ماذا أقولُ عَن الذينَ تخاذَلوا...
أأُطيلُ والإيجازُ كالإسْهابِ ...
عَجّوا وَثَجّوا والطوافُ بلندنٍ...
صفرُ الوجوه ِ بِحَضرَة ِ العَرّابِ...
لما قَضَوا تَفَثاً كأَنَّ هَريرَهُمْ ...
هَرَّ الذِئابِ تَزَلفَتْ لِكلاب ِ...
داروا فَدارَتْ بالرُؤوسِ ثُمالةٌ...
تُغري النَقيبَ بخمرةِ النوّابِ...
ماتوا وَماتتْ في النُفوسِ رُجولةٌ...
سَكرتْ بِبئسِ الكأسِ في الأنخابِ...
حمرٌ تفرُّ مِنْ الوغى في رعدةٍ...
صَكّت بِها الأَنيابُ بالأَنيابِ...
أواهُ وَالآهاتُ بعضُ مَعاتبي...
للمشتري الكُرسيَّ بالمِحرابِ...
أيانَّ يا شَمْساً تغيبُ بمَشرقٍ...
خلفَ الضَباب ِ وعارضٍ مُنسابِ...
أنْ تَرجِعي بحضارة ٍ فيها الهُدى...
اليومَ يحْسَبُها العِدا كَسَرابِ...
هذا الغُروبُ وَشمس أهلي لمْ تزلْ...
خَلفَ الغُروبِ تلَوحُ للطلّابِ...
يا أيُّها الجيلُ المُروّضُ بالهوى...
عُدْ للهُدى ... هدياً بِخَير كتِابِ...
السُنَة ُ السَمحاءُ تَحمي أَهلَها...
مِنْ شَرِّ ( أَزلام ٍ) وَمِن ( أَنصابِ ) ...
أتَدُورُ أفكارُ النَوابغِ حيرَةً...
حَولَ الذي يَقتَصُّ بالإرهابِ...
إرهابُهُم سَمّوهُ في أَسمائِنا...
نَعتُوا بِهِ صقراً برأسِ غرابِ...
لا وَالذي أحصى الخلائِق َ كُلَّها...
وأعَزَّ هذا الدينَ بالأطيابِ...
لا تنقضي الدُنيا قُبيلَ نَفيضَةٍ...
تُزْجي القُلوصَ تأذُّناً لإيابِ...
فيها الهُداةُ على الصَلاحِ طريقُهُمْ...
نحوَ السماء ِ معبّدٌّ بمتابِ ...
الراكضونَ إلى الجنانِ صبابةً...
عُذراً إلى الغَفّارِ والتَوابِ...
إنّي وَإنْ كنتُ المطيلَ عتابَكُمْ...
لكنّهُ شَوقٌ طغى بِعتابِ...
أنتُم بَنو ديني وديني دينُكُمْ...
وَحِجابُكُمْ يَلتَفُّ وَسْطَ حِجابي...
قُلْ للعَصائِبِ في طريقِ مُحَمّدٍ...
لُمّوا القُلوبَ كَطاهِرِ الأصلابِ...
لا تيأسوا إنّ َالطريقَ إلى الهُدى...
سَهْلٌ لكوثَرِهِِ مِنَ الوَهّابِ...
يامَعْشَراً شَرّفتُ وَسطَ دِيارِهِمْ...
أنّى ذهبْتُ فإنّكُم ْ كإهابي...
إنّي بِحضرتِكُمْ أرى نَفسي بكُمْ...
يا مَجمَعَ الأَخيارِ والأَنجابِ ...
إنّي جَلبْتُ لكُمْ شَواطئَ دجلةٍ ...
وتركتُ حُزنَ الكرخِ في أعقابي...
يا أيُّها السُمّارُ في ليلِ النوى...
هَل تَعلمونَ خِتامَ كُلِّ كِتابِ...
السَيفُ والهُديُ القويمُ تَظاهرا...
وَالفَتحُ فَتحُ اللّهِ بالأسبابِ...