هًلْ تَحسَبَنَّ فؤادي للمِلاحِ ظَمي
أو يَخفُقَنَّ لِذِكْرِ البانِ والعَلَمِ؟
لا الشوقُ يكوي حَشاشاتي بجَمرَتِهِ
ولا أسيراً بأصفادِ النّوى حُلُمي
فالعُمرُ يرسو وهذا والشيبُ مرفَأُهُ
والعُمرُ عزفٌ بقاياهُ بلا نَغَمِ
بالأمسِ كنتُ أسيرَ الغانياتِ هَوىً
واليومَ صرتُ أسيرَ الهَمِّ والهَرَمِ
بالأمسِ أرشفُ راحاً من مَراشِفِها
واليومَ أمسى ومُرُّ الشيبِ ملءَ فمي
كانَ الصِّبا طَوعَ أَمري في مآرِبهِ
فصرتُ طَوعَ مَشيبٍ غائرِ الهِمَمِ
طيفٌ ولكنَّما دَفأى حوادِثُهُ
صَداهُ في النَّفسِ طولَ العُمْرِ كالوَشَمِ
يا غُصنَ قلبي الذي قد كانَ وَكْنَتَها
ذوى وَحَطَّ عليهِ طائِرُ الشُؤُمِ
تحتَثَّ شَكواهُ من نفسي مَواجِعَها
فَهَيَّجَتْ ذِكرياتِ الأمسِ فالقِدَمِ
كتَمتُها بينَ أحشائي مُكابَرَةً
ولم يَرَ النّاسُ وجهي غيرَ مُبتَسِمِ
يلتَجُّ بين ضلوعي موجُها شَجَنَاً
فتَستَبِدُّ بجسمي سَورَةُ الأَلَمِ
أبُثُّ هَمّي لِمَنْ قاسى كَجائحَتي
ومَنْ أراهُ بهاتيكَ السِّهامِ رُمي
فَكُلُّ هَمٍّ لهُ عُمْرٌ ينوءُ بهِ
في العيشِ صاحِبُهُ وَطْراً ولم يَدُمِ
رُبَّ امرءٍ قد تشافى بعد علَّتهِ
ورُبَّ جُرحٍ بِواهي الطّبِ مُلتَئِمِ
إلّا المشيبَ فلا طِبٌّ يُطَبِّبُهُ
سوى خِضابٍ كَذوبِ الّلونِّ في لِمَمي