الصفو بشَّرَ بالوصال وفاءَ
وحبيبُ قلبي بالمودة فاءَ
قُمْ يا عذولُ وخلِّني فلقد صفا
وقتي وقدري زاحمَ الجوزاء
لا تُبديَنْ عبثَ الملام فإنما
عبثُ الملامة لا يُرى إصغاء
فمشاهدي لمحاولٍ لا تنتمي
ومصاعدي لا يرتقي إن شاء
وجوى الصبابة قد مضت أيامه
والوقتُ راقَ فهاتِ لي الصهباء
راحًا بها روح الحياة تروّحتْ
تذر الهموم لدى الهواء هباء
بِكرٌ إذا زُفَّتْ لخاطبِ حسنها
فضَّ الختام فأشرقت لألاء
وغروبُها فمُ مغرمٍ وشروقها
قلبٌ تولّعَ بالكؤوس حباء
وحَبابها فوق الكؤوس كأنجمٍ
تُبدي لنا بالغاسق الأضواء
ومسيرها فلك الجسوم سماؤه
تنقضُّ شهبًا تحرق الأسواء
وترى لها عند المسير إضاءةً
بالليل لا تبصرْ به الظلماء
تهدي الأصمَّ لِحانها وعبيرُها
يُبدي لمزكوم الشِّمام شذاء
وسُقاتُها خلعوا العِذار وأدمنوا
شربَ العقار وهل ترى بأساء؟
فأدرْ كؤوس مودتي ثم اسقني
وذرِ الذين أراهمُ سفهاء
ردّوا الكلام إلى الظواهر مذ عموا
وأبتْ فهومهمُ ترى الحسناء
أمن العجيب متيّمٌ نال المنى
جعل الحجاب على الكلام غطاء؟
ما الخمرُ إلا ما يخامر مهجتي
من صفو حبّي لا تظنَّ الماء
أفلا يقوم وصاله بمشعشعٍ
حلب العصير وما أظن إباء
أو ما ترى البلدان يسقيها الحيا
وترى لها بعد الخفاء صفاء؟
انظرْ إلى مصرٍ تميس بوصلها
في عصر عباسٍ بدت هيفاء
ماذا يقول العاقلون إذا رأوا
عدل العزيز يروّح الأنحاء؟
عباسٌ الثاني تولّى عزَّها
وأزال عنا ما نراه عناء
يمناه يمْنٌ واليسار يساره
بالعزّ قد تَخذَ الصلاح لواء
ملكٌ تأزّرَ بالجلالة واكتسى
مجدًا تسامى وانظرِ الآباء
فمحمّدٌ أَسَّ البناء بثاقبٍ
من فكره وبعزمه استيلاء
وأباد كلَّ معارضٍ لعبتْ به
أيدي التعاصي بالإباء شقاء
وأزال كل بليّةٍ عن مصره
في عصره وأنالها استعلاء
وأشاد إبراهيم رفعَ قواعدٍ
بصوارمٍ يُردي بها الأعداء
والشّام يشهد والحجاز بأنه
أسد الأسود يروّع الهيجاء
ولكم لعباسِ اقتناءُ مفاخرٍ
أبدى لنا فيها اليدَ البيضاء!