أطلَّ ولِيُّ الأمْرِ منْ شُرْفَةِ القصْرِ
لينْظُرَ أحْوالَ الرَّعِيَّةِ في الفجْرِ
فأبْصَرَ طفْلاً يستَحمُّ بنهْرِهِ
ويلْعَبُ مسْروراً على الشّاطئِ السِّحْري
فنادى على الحُرّاسِ: شُدّوا وَثاقَهُ
وهاتوهُ لي حتّى أعَرِّفَهُ قدْري!
فجيءَ بهِ كالمُجْرِمينَ مكَبَّلاً
وأَسْوِرَةُ الأغْلالِ في لحْمِهِ تبْري!
فصاحَ بهِ الوالي المُبَجَّلُ غاضِباً
تلَهَّبُ عيْناهُ منَ الغيْظِ كالجَمْرِ!
لماذا تجاوزْتَ الحَواجِزَ خارِقاً
تدابيرَ حُجّابي ومسْتنْكِراً أمْري!
فقالَ لهُ والحُزْنُ يفْطِرُ قلبَهُ
ومنْ مقْلتيْهِ الدَّمْعُ مسْتَرْسِلٌ يجْري:
أعيشُ بصُنْدوقِ القُمامَةِ منْزِلاً
لأُرْزَقَ بالخيْرِ الكثيرِ بهِ الوَفْرِ!
وآتي هُنا حتّى أزيلَ قذارَتي
وأشْربَ ماءَ النَّهْرِ عذْباً بلا كَدْرِ
ومِثْلِيَ سكّانُ المَدينَةِ جُلُّهُمْ
يُهاجرُ منْها البعْضُ منْ وضْعِهِ المُزْري
ومنْ لمْ يُهاجِرْ عاشَ ينْدُبُ حالَهُ
ويصْبِرُ مكْسورَ الجَناحِ على الفقْرِ
كذلكَ أحْوالُ المَدينَةِ سيِّدي
فمنْ لمْ يمُتْ بالدّاءِ ماتَ منَ القهْرِ!
قليلٌ يَحوزُ القوتَ منْ فمِ أهْلِهِ
ويحْيا على حقِّ المَساكينِ في كِبْرِ
فصاحَ: خُذوهُ أخْرِجوهُ فإنْ أتى
هنا مرَّةً أُخْرى قريباً منَ القصْرِ
ضَعوهُ بإصْطَبْلِ الخُيولِ رهينَةً
وألْقوهُ طُعْماً للتَّماسيحِ في النَّهْرِ!