تخطَّ إلى المحتوى

عشتاري الأثيرة ها قد عانقنا شبح المغيب

غير معروف

١١٩ بيت

النسيب

عشتاريَّ الأثيرة، ها قد عانقنا شبح المغيب

ما كنتُ لك كما ينبغي، ذلك العاشق الحبيب

ما استطعت قطف الورود دون سمّ النحيب؛

دومًا ذلك الفارس الغامض والرجل الغريب

يحارب في الهوى بلا بوحٍ كمختلٍّ مريب

يتزيّا بالثلجِ ويخفي ما في الحشا من لهيب

لقلة خبرةٍ ما أدرك أنَّ الكلم خير طبيب!

غير آبهٍ بما يكفي لاستدرَّ قطرةً من عرق

كقاتل متسلسل خطير، أو مشعوذٍ شرير

كقبطانٍ أمام النهاية والمفترق

يدخن أنفاس الغليون الأخير

شَهدتُ سفائن الحبّ تغرق

مثل عطرٍ أو دخانٍ يبددهُ الأثير

كأنما أيقنتُ حتمية الأرق

وعجز الروحِ أمام أوراق المصير!

قلبي يا عشتار أسطورةُ نورسٍ

ما أنصفتهُ الأساطير

منتحرٌ من بعدكِ في بحر السعير

يغطسُ في لجّة اليأس الأزرق

ليصطاد المنيةَ قبلةً عسليَّة التحرير

حالمًا بالفناءِ بلا روّية أو تأخير

فرارًا من مآسي الشرق

ووجود مُجهضٍ من أجنَّة التبرير

عشتاريَّ الأميرة الصغيرة، أنا قزمكِ الصغير

ماذا أفعل بقلبٍ لا يحطم أوثان القلق

ويخالُ الحبّ صنمًا لا تمسُّهُ مطارق التكسير

لقد انطفأت في غُرُفاتهِ فوانيس وجهكِ المنير

وفقد الكون انعكاسهُ في أحداق الألق

فأمسى مريض النبضِ يحيا بلا غاية أو تفسير!

ها أنذا مثل نيازكٍ تهرول في السديم

أجاهد الهروب من عوالم هذا الجحيم

حيث أسماك القرشِ تلتهم كلّ يتيم

حجلاً في حقول القمح الذهبية يهيم!

ولي قلبٌ هيهات يراهُ الطريق القويم!

مذُّ انخرطت في منجم الوغى العقيم

أقاتلُ بغية حفنة التبرِ كلَّ إنسان رجيم

لعلي أعود لك مثقلاً بكنز قارون اللئيم

بأكبرِ ماسةٍ نقاؤها يشفي قرار الصميم

وكتلة من خام الذهب تكفينا حدَّ الرميم!

بربطةٍ من قطن الشاش تروي الكثير

تلتفُ على شعفة رأسٍ جريحٍ صغير

مثل أفاعٍ يرسلها الموت رسلاً ونذير

سقطتُ بخنادقكِ مُكَّاءً يخنقهُ الصفير!

من يحارب في معارك الأوغاد

يحيا رجلاً سقيم

ملائكة الخير تهوي عن أكتافهِ

سقطة طودٍ كريم

وتعشعشُ الغربان في أحداقه

لا يراهُ طريقٌ قويم!

افترقنا يا عشتار

وقهقه الشيطان بصوت جهير

ارتحلت بقسوة قلادة مسمومة

لعروسٍ بزفافها الأول الأخير!

وأثملتني حروب التبرِ كتاجرٍ

يكنز اللحم في مسارح شكسبير

ونسيتُ أسماء آدم كلها

فبمن تراني

في قلب مأساتي أستجير؟!

من يضلّ الخطى في مناجم المال لا يستنير

ينتهي شحاذًا تكبّلهُ الفضائح في أشداق السعير

وكلما توغل الطفل في الغابِ ينسى أن يستدير!

ولأني ارتضيت خلل التفاوتِ كان إثمًي كبير

أغلف الصمت مثل الهدايا وأحشرهُ بفمّ الغدير

مجرمًا يجاهر بالجريمة ويسوقُ قطعان التبرير

فمظالم طوفان الدم المسفوح لا تحسن التعبير!

عشتارُ مرت الأعوام وأضعت درب الحرير

وبراءة الطفل انسلخت لأسراب عثّ شرير!

تنشر فضلات الموت أينما حطّت كالنثير

وتغتال بلا رحمةٍ، صغار العصافير

أنا جندي مهزوم يحزم أمتعة الرحيل

بيدٍ يسرى جريحة وقلبٍ ذا أفقٍ قتيل

ما عادت لحروبيَّ نكهةٌ تشفي العليل!

في غابة الحديد المقلوظ علام أهيم

حالمًا بالرقةِ في عالمٍ قاسي الصميم؟

ومن الاستقامة أنّ العوج لا يستقيم!

مثل غرقى في فلسفةِ فكرٍ نيتشوي التأثير

لقد حدقنا في الهاوية مطوّلاً رغم التحذير

حتى حدقت الهاوية فينا بعين ظلام شرير!

حقول الأنجم نائية ومثلي حصاده ليل بهيم

أن تغرس العدل في سبخة الجور فعلٌ ذميم

كن شحيحًا قولاً وفعلاً ولا تلن لكائن لئيم

في غابة الوحوش، قال الحكيم كن شرًّا مستطير!

لقد قاتلت يا عشتار بنزاهةِ ساذجٍ كلّ جُرذٍ حقير

جحافل جندٍ لا تنتهي من فاقدي الروح والضمير

في حلبةٍ قانون عوالمها ترجمةٌ لمكيافيلي الأمير

حتى آلت الأمور إلى التشظي بهيئةٍ ما لها تفسير

فخسرت للأقنعة وجهي وأذهلتني سرعة التغيير!

مُلوّثًا فقدت ذاتي كلما أطبق ليلٌ مومسيٌّ ضرير

وخطوط كفي رسمت من الخرائط عمرًا قصير

أقرر مما تراءى بأعين المنجمين وجهة المصير،

مقامرًا بالحظِّ والأحلام في لعبة مفلسة التبصير!

في غيابك الأزلي نجمةً تشعُّ بشعريّ الأضابير،

قلاعي ميتة، وأموري على غير ما ينبغي تسير

لأني لا أقطن القصائد التي أنزفها بحزنٍ مرير

وأعشاب الضغينة الضارة تحرمني النوم القرير

تنمو بشروخي وتحوكُ كوابيسي

كرباتِ القدر في مأساوي الأساطير!

أنا محاربٌ متعبٌ تجمّد في زوابع الزمهرير

سنينَ بعيدةً عن درب الرجوع إلى كوخنا القديم

حيث مدفأة نهديكِ تقي الروح من برد شتاء مُنيم

ألا ليت الفقر والجوع جمرٌ ضلَّ بأفران الجحيم

ما تبعثر أحجار نردٍ في أحضان طالعنا السقيم

وما أسقطتهُ الغمائم أمطارَ رجومٍ تتركنا هشيم

ولو كانت بوصلة الحبّ تكفي لما فرقتنا الأقاليم

آه لو تغفري انكساري وأؤوب لحضنكِ الحميم

بعض الهذيان أصداف ملاحمٍ لها سحرٌ عظيم!

عشتار يا غزالة الريم

في مفازات عالمنا الزنيم،

آهِ لو كان بمقدوري

أن أظلَّ بنهديكِ ولو رجلاً فطيم!

أعلمُ علم اليقين، تحت سقف هذا الجحيم

أني لن أعود لخرائب مسكننا سوى شبحٍ رجيم

يحوّم فوق مقابر الذكرى ويختبئ بدولابك القديم

ويطفو كغشاوة بيضاء ترفرفُ كملاءات السرير

بعيون العذارى الواسنة في ليالٍ ربيعيَّة العبير

حالمًا بفجرٍ ميتٍ كان يعقد حبل وصلنا القصير

بضراوة أغلال الغزاة أو كمشانقِ طاغية حقير

تُأرجح جثث الشعراء المتحللة في مساءٍ مطير

مثل يراعات مضيئة، يطفئها عزف الخرير!