خَلِّ الكَئِيبَ يُقاسِي ما يُقاسِيهِ
وَيُسْبِلُ الدَّمْعَ قَطْراً مِنْ أَماقِيهِ
لا تَلْحَهُ إِنْ بَكَى أَو حَنَّ مِنْ وَلَهٍ
وَدَعْهُ يَرْسُبُ وَجْداً فِي مَلاهِيهِ
وَلَيْسَ إِنْ صَدَّ عَنْ هادِيهِ مِنْ عَجَبٍ
فَالصَّبُّ لَيْسَ يَرَى هادِيهِ هادِيهِ
صَبٌّ عَلَى ظَهْرِ نِضْوِ الغَيِّ مَرْكَبُهُ
وَالوَجْدُ قائِدُهُ وَالشَّوْقُ حادِيهِ
لَمْ تَبْقَ مِنْ رُوحِهِ إِلاَّ حُشاشَتُهُ
تَرَدَّدَتْ مِنْهُ فِي أَقْصَى تَراقِيهِ
يُمِيتُهُ فِي هَواهُ هَجْرُ قاتِلِهِ
وَالوَصْلُ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ يُحْيِيهِ
تَنْهاهُ عَنْ غَيِّهِ وَالحُبُّ يأْمُرُهُ
فالصَّبُّ آمِرُهُ يُزْرِي بِناهِيهِ
يا صاحِبَيَّ اَنْظِرانِي ساعَةً وَقِفا
بِي فِي مُقامٍ تَعَفَّى بَعْدَ أَهْلِيهِ
رَبْعٌ نُحَيِّيهِ إِجْلالاً لِمَنْ وَخَدَتْ
أَيْدِي المَطِيِّ بِهِ أَنْ لا نُحَيِّيهِ
أَقْوَتْ مَغانِيهِ مِنْهُ بُرْهَةً وَعَفَتْ
وَما عَفَتْ مِنْهُ فِي قَلْبِي مَغانِيهِ
عَهْدِي بِهِ وَالظِّباءُ العُفْرُ ناصِبَةٌ
مِنْهُنَّ لِلأُسْدِ أَشْراكَ الهَوَى فِيهِ
مِنْ كُلِّ واضِحَةِ الخَدَّيْنِ بَهْكَنَةٍ
مَيَّاسَةٍ فِي بُرُودِ الحُسْنِ وَالتِّيهِ
وَ كَمْ سَحَبْتُ بِهِ ذَيْلَ الشَّبابِ وَكَمْ
جَنَيْتُ غَضَّ الهَوَى فِيهِ وَعاسِيهِ
أَيَّامَ رَوْضُ الصِّبا خُضْرٌ شَقائِقُهُ
مَوْشِيَّةٌ بِالبَها مِنْهُ حَواشِيهِ
عَصْرٌ مَضَى وَتَقَضَّى طِيبُ لَذَّتِهِ
ما كانَ أَحْلَى وَما أَبْهَى لَيالِيهِ
يَفُوحُ مِنْهُ أَرِيجُ المُلْهِياتِ وَقَدْ
تَعْلُو عَلَى البِيضِ إِبْهاجاً دَآدِيهِ
أَفْدِي الحَبِيبَ الَّذِي نَحْوِي سَرَى سَحَراً
كأَنَّهُ البَدْرُ وافَى فِي تَجَلِّيهِ
أَفْدِيهِ مِنْ زائِرٍ جاءَ الخَيالُ بِهِ
مِنْ بَعْدِ طُولِ الجَفا أَفْدِيهِ أَفْدِيهِ
زارَتْ سُعادُ وَشُهبُ الجَوِّ شاخِصَةٌ
بِأَعْيُنٍ ناظِراتٍ فِي دَياجِيهِ
وَأَقْبَلَتْ تَتَهادَى فِي مَجاسِدِها
بِمَنْظَرٍ مُكْتَسٍ بِالحُسْنِ عارِيهِ
أَبْدَتْ عِتاباً عَلَى طُولِ النَّوَى وَلَها
لَفْظٌ يُحاكِي لآلِيها لآلِيهِ
فَقُمْتُ أَلْثِمُ صُدْغَيْها وَمَبْسِمَها
وَأَجْتَنِي عَسَلاً عَذْباً لِجانِيهِ
فَجالَ ماءُ الحَيا فِي وَجْهِها خَجَلاً
وَاصْفَرَّ لَوْناً بِتَوْرِيدٍ وَتَمْوِيهِ
وَجْهٌ تَضاحَكَ فِيهِ الزَّهْرُ مُبْتَسِماً
ما بَيْنَ أَبْيَضِهِ حُسْناً وَقانِيهِ
فَالجُلَّنارُ يُناغِي غَضَّ نَرْجِسِهِ
وَرائِقُ الوَرْدِ دانٍ مِنْ أَقاحِيهِ
وَبِتُّ مِنْها أَضُمُّ القَدَّ مُعْتَنِقاً
فَالدَّلُّ يُبْعِدُهُ وَالضَّمُّ يُدْنِيهِ
غَيْداءُ لَيِّنَةُ الأَعْطافِ مائِسَةٌ
كأَنَّها غُصْنُ بانٍ فِي تَثَنِّيهِ
تُخالِفُ البَدْرَ فِي نَقْصٍ وَفِي خُلُقٍ
وَفِي المَلاحَةِ يَحْكِيها وَتَحْكِيهِ
تَرْنُو بِعَيْنَيْ غَزالٍ عَنْهُ قَدْ خَذَلَتْ
بَيْنَ الشَّقائِقِ فِي المَرْعَى حَوارِيهِ
قَدْ تُغْضِبُ الصَّبَّ فِيما لَيْسَ يُغْضِبُهُ
مِنْها وَتُرْضِيهِ فِيما لَيْسَ يُرْضِيهِ
لا زِلْتُ أَصْبُو إِلَيْها ما حَيِيتُ كَما
يَصْبُو فَلاحٌ إِلَى إِكْرامِ عافِيهِ
مُتَوَّجٌ فِي ارْتِكابِ المُشْكِلاتِ حَظِي
بِأَوَّلِ الحَمْدِ عَنْ سَعْيٍ وَتالِيهِ
رَقا مَراتِبَ مِنْ سَمْكِ العُلا وَسَمَتْ
بِهِ سَماءُ المَعالِي فِي مَعالِيهِ
وَصارَ فِي رُتْبَةٍ شَمَّاءَ عالِيَةٍ
ما فِي نِهايَتِها خَلْقٌ يُبارِيهِ
شاءَ المُلُوكَ إِلَى العَلْياءِ وَاعْتَرَفَتْ
لَهُ بِكَسْبِ العُلا قَسْراً أَعادِيهِ
وَشادَ فِي المُلْكِ بَيْتاً نافَ وَارْتَفَعَتْ
فِي الأُفْقِ أُفْقِ العُلا مِنْهُ مَبانِيهِ
غَيْثٌ يُقَصِّرُ غَيْثُ المُزْنِ إِنْ هَطَلَتْ
أَنْواؤُهُ فِي الأَيادِي عَنْ أَيادِيهِ
كاللَّيْثِ فِي بَطْشِهِ تَدْمَى مَخالِبُهُ
كالبَحْرِ فِي جُودِهِ تَطْمُو أَواذِيهِ
فِي الجُودِ حاتِمُهُ فِي البأْسِ عَنْتَرُهُ
فِي الحِلْمِ أَكْثَمُهُ فِي العَهْدِ هانِيهِ
كأَنَّهُ الطَّوْدُ رَسْباً فِي سَكِينَتِهِ
كأَنَّهُ البَدْرُ فِي هالاتِ نادِيهِ
نُورٌ تَصَوَّرَ فِي إِجْلالِهِ بَشَراً
سُبْحانَ بارِيهِ بَلْ سُبْحانَ بارِيهِ
يا أَيُّها المَلِكُ القَرْمُ الهُمامُ وَمَنْ
خَطَّتْ لَهُ الحَمْدَ وَالعَلْيا مَواضِيهِ
يا واحِدٌ فِي العُلا فَرْدٌ تَفَرَّدَ فِي
ما قَدْ تَكَسَّبَهُ وَالمَجْدُ ثانِيهِ
افْقَهْ لِمَنْ قَدْ حَباكَ النَّظْمَ مُتَّسِقاً
تُنْبِي بِصَفْوِ الحِجا مِنْهُ مَعانِيهِ
قَدْ جاءَ يَقْطَعُ آفاقَ البِلادِ إِلَى
أَنْ لَوَّحَتْهُ الذَّوارِي فِي مَوامِيهِ
وَفارَقَ الأَهْلَ وَالتَّوْدِيعُ بَيْنَهُمُ
يُذْكِي ضِرامَ الجَوَى وَالكُلُّ صالِيهِ
وَسارَ عَنْ أَفْرُخٍ وَالكُلُّ مِنْ وَلَهٍ
مُتَيَّمُ القَلْبِ غَمْرُ الشَّوْقِ ظامِيهِ
وَالدَّمْعُ مِنْهُ وَمِنْهُمْ واكِفٌ هَتِنٌ
مُسْتَرْسِلٌ بَيْنَهُمْ لَمْ يَرْقَ جارِيهِ
يَدْعُونَهُ مِنْ وَراهُ كَيْ يُجِيبَهُمُ
وَالعَزْمُ يَنْهاهُ أَنْ يُصْغِي لِداعِيهِ
حَتَّى أَتَتْ لَهُمُ أُمٌّ تُعَلِّلُهُمْ
وَقَدْ شَجا قَلْبَها بِالوَجْدِ شاجِيهِ
فَعَلَّلَتْهُمْ وَما كانَتْ تُعَلِّلُهُمْ
إِلاَّ باسْمِكَ إِذْ ظَلَّتْ تُصَدِّيهِ
وَبَشَّرَتْهُمْ بِما كانَتْ تُؤَمِّلُهُ
مِنْكَ الغَداةَ وَما كانَتْ تُرَجِّيهِ
فَاَنْعِمْ لَهُ مِنْكَ بِالفُسْحانِ فِي عَجَلٍ
وَاقْضِ مَآرِبَهُ وَاصْدُقْ أَمانِيهِ
وَاغْفِرْ لَهُ الذَّنْبَ فِي تَقْصِيرِ مَدْحِكَ يا
مَنْ لَيْسَ شَيْءٌ عَنْ العَلْياءِ يُلْهِيهِ
فَما المَقالُ وَما المَوْصُوفُ مُتَّصَفٌ
جَلَّتْ مَعالِيكَ عَنْ وَصْفٍ وَتَشْبِيهِ