١طال ليلي…وطالَ طردُ السرابِ
والأمانيُّ شيبةٌ في غُرابِ
٢في مساءٍ هدوؤهُ لو كشفنا ال
ستْرَ عنهُ سمعتَ صوتَ عذابِ
٣ظلّلتني سحابةٌ مِنْ دُخانٍ
ولوَ انّي قد كُنتُ بينَ السحابِ
٤بعدَ عِشرِين حُجَّةٍ قد طواها ال
دهرُ منّي كمثلِ طيِّ الكتابِ
٥بتمنّي البعيدِ من كلِّ شيءٍ
وانتظارِي للشهدِ مِن غُصنِ صابِ
٦ضاحكٍ من تكدُّسِ الهمِّ باكٍ
بينَ فألٍ وخيفةٍ وارتيابِ
٧وكؤوسٍ على مُشقّقِ طبلٍ
طاعنٍ في مُجونِهِ مُتصابي
٨ينتظرنَ الأوانَ مُذْ شِبْتُ طِفلاً
كي نُعيرَ الحياةَ بعضَ الصوابِ
٩والثُريّا تململتْ مِن لقائي
كُلَّ ليلٍ فغادرتْ بعتابِ
١٠وذراعٌ مِنَ المجرَّةِ أومى
لاحتضاني…كواكباً لِشهابِ
١١في اتّحادٍ لألفِ رُوحٍ ورُوحٍ
ومسيحٍ وألفِ آبٍ وآبِ
١٢بتجلٍّ مُقدَّسٍ كِدتُ مِنْهُ
أخلعُ العقلَ كُلَّهُ لا ثِيابي
١٣ظاهرُ الأمرِ أنَّ عيشي هباءٌ
بعدهُ الموتُ ختمةٌ لِكتابي
١٤حجراً كُنتُ في العوالمِ لا أدري
أيأتي عليَّ يومُ الحِسابِ
١٥ذاتَ جهلٍ حتّّى أُنرتُ بعقلٍ
لستُ أدري أنِعمتي أم عذابي
١٦كاد همّي يستفسر الربَّ عمّا
كانَ يعني فناءُ عُمرِ الشبابِ
١٧ولماذا نستحملُ الحُزنَ دهراً
تُوَّقاً عِنْدَ كلِّ برقٍ خِلابِ
١٨غيرَ أنّي سمعتُ صوتاً خفيّاً
مِن زُلالٍ مُخلَّطٍ بتُرابِ
١٩كائنٌ كانَ من حياةٍ وموتٍ
مِن فُراتٍ وبعضهُ مِن خرابِ
٢٠قال لي: يا بُنيَّ مالي أراكم
قد نسيتُم مآثرَ الألبابِ
٢١كُنتُ يوماً بجنّةٍ قد عُدمنا
في رُباها هُمومَ كُلّ مُصابِ
٢٢وجلسنا على الأرائكِ فيها
تحتها من نسيجِ تِبرٍ زرابي
٢٣رُبّما احترتُ كُلِّ يومٍ بُشربي
كاسَ خمرٍ أم لثْمةً مِن رُضابِ
٢٤أتُراها معيشةً أن أقضّي
جُلَّ يومي بطُعمةٍ أو شرابِ؟
٢٥أتُرى الصدق في الملافظِ يحلو
دُونَ تجريبِ بعضِ كيدِ الكِذابِ؟
٢٦أتُرى القَطْرَ من سمائكَ يُحيِي
أيَّ شيءٍ إن دامَ هطلُ السحابِ؟
٢٧فبكفّي قطفتُ همّي لأنهي
خُدعةَ الخيرِ والسنين العِذابِ
٢٨حنّتِ النفسُ يا بُنيَّ لنصفٍ
كان مِنها مُقدّرٍ في كِتابِ
٢٩قُلتُ: ويحي أنبتلي في رفاهٍ
وشقاءٍ فقالَ: حانَ ذهابي
٣٠لن تعي الآنَ يا حفيدي اجتماعاً
بينَ ضدّينِ فرحةٍ واكتئابِ
٣١قُلتُ:مهلاً يا والدي لا عدمنا
حِكمةً مِنْكَ فسَّرتْ كُلَّ ما بِي
٣٢كيفَ أقضي سِنينَ عُمري غريباً
لستُ في جنَّةٍ ولا في عذابِ
٣٣قالَ: ناغي أطفالكَ الُلطفَ ليلاً
وتصبّحْ بوجهِ خَوْدٍ كعَابِ
٣٤زينةُ العُمْرِ يا حفيدي بنونا
وغزالٌ مُنعّمٌ ذُو خِضابِ
٣٥قُمتُ قبَّلتُ كفّهُ مُستميحاً
ضاحكاً مِنْهُ ضِحكةَ المُتغابي
٣٦قُلتُ: أُنبيتُ عن بنيكَ حديثاً
قد رواهُ ثِقاتُنا عن غُرابِ
٣٧وعنِ الغِيدِ حيَّةٌ أبلغتنا
موقفَ الغيدِ مِن مُسيلِ اللُعابِ
٣٨يا أبي هل أبيعُ عُمري لوهمٍ
لكذوبٍ مُهفهفٍ ذِي قِبابِ؟
٣٩يأسرُ القلبَ جفنُهُ وبكفّي
أبذلُ القلْبَ في رضى الأهْدابِ؟
٤٠قال: قبّلْتَ الكفَّ مِنِّي فهذا
لَجوابٌ لعقلكَ المُتصابي
٤١قد ظننتَ الحديثَ هذا جديداً
وهوَ بالٍ مِن صنعةِ الأحقابِ
٤٢أم حسبتَ التمنطُقَ اليومَ قولاً
غابَ عنّي وحلَّ في إنْجابي؟
٤٣إنَّ مِنِّي فلاسِفاً لو رأتكم
قرَّعتْكم بالفنِّ والآدابِ
٤٤إنَّ منِّي ثلاثةً (بأَثِينا)
سبقوكم بكلِّ عِلمٍ عُجابِ
٤٥في السماواتِ فاقَكم أهلُ مِصرٍ
والقوانينِ فاقَكم حامورابي
٤٦لا تغرَّنْكَ نفسُكَ الآنَ واعلمْ
أنَّ جمعَ العلومِ محضُ كِذابِ
٤٧إن أَصَبتم بِعلمْكم رُبعَ حَقٍّ
لكفرتم بسُلطةِ الوهَّابِ
٤٨أو تُمسُّونَ بعدها ضُرَّ يومٍ
لركعتُم لأيّما أربابِ
٤٩سوفَ أُنبيكَ يا غبيَّاً بشيءٍ
واضحٍ لا يحتاجُ للإسهابِ
٥٠خُذْ منَ الغِيدِ ما يسرُّ وأهمِلْ
نكدَ الغِيدِ واحتسبْ للثوابِ
٥١واعلَمِ الإبنُ حسْبُ منْ كانَ طِفلاً
لستَ راعٍ على البنينِ الشبابِ
٥٢إنَّ إبنيَّ حينما أحزناني
لم يعُقَّا كمثلكِ اليومَ ذا بِي!
٥٣قُلتُ: آهٍ وألفُ آهٍ وآهٍ
لستُ يا جدُّ أهتدي لِصوابِ
٥٤كُلُّ بابٍ في فهمِ نفسي أعيهِ
يفتحُ الشكُّ إثرَهُ ألفَ بابِ
٥٥رِحلةُ العُمْرِ بعدَ عِشرينَ عاماً
أهُنا تنتهي بغيرِ جوابِ؟
٥٦ثُمَّ أومى مُودِّعاً ذاتَ يأسٍ
صِحتُ: باللهِ رفقَكم بالصِحابِ
٥٧أعطني مِنْكَ خِنصراً واصطحبني
مَعكَ نحوَ الأسلافِ والأنسابِ
٥٨أسألُ الناسَ في قديمِ التواري
خِ لعلِّي أحلُّ بعضَ اغترابي
٥٩قَدَّرَ الأمرَ ثُمَّ تمْتمَ طوراً
بكلامٍ تتمتُمَ المُغتابِ
٦٠قال: عاهد أباكَ أنْ لا سؤالاً
عبثيّاً من بعدِ نيلِ الجوابِ
٦١إنْ تخنِّي يكن بذاكَ فِراقٌ
لا تسلني مِن بعْدهِ عن إيابِ
٦٢لستُ ڤرجيلَ إن سألتَ ولا أنْ
تَ المعرِّي… فلا تُقارِنْهما بِي
٦٣قُلتُ:عاهدْتُ قالَ: هيّا لِبابٍ
في سَما الهِنْدِ ماشياً للضبابِ…