غرقْنا بوَحلِ الحياةِ فمَنْ
تعالَتْ خُطاهُ ولم يَنْحَدِرْ
فلاذا لموجٍ قَطيعٌ، وبعضٌ
سعى ضدَّ تيّارهِ واصطبرْ
وبين الفريقينِ جمعٌ ضئيلٌ
أحبَّ الحِيادَ له والحَذَرْ
تداعى عن الروحِ حُجْبُ النّظرْ
فبانَ الذي في الدُجى يستترْ
أمَاطَ العَمَى عَينَ عقلٍ، فلمّا
رأى القلبُ يوماً تجلّى البصَرْ
فصار الفؤادُ يرى خلفَ سترٍ
بِما كان خلفَ الرؤى والصُّوَرْ
فلا تقنطنَّ ذاكَ تيسيرَ رَبٍّ
ترى في الخلائقِ ما قد ضَمَرْ
فهاذي فعالك مَهْدُ الربيعِ
وشَهْدُ الرضيعِ وعَبْقُ الأثَرْ
وهذا شذاكَ الذي استَلَّ منها
قُحولاً، فصارتْ حُقولاً خُضُرْ
وهاذي الخلالُ التي صُنتَ يوماً
جلالَ الخِصالِ عليها انتشَرْ
أتتك من الأوَّلينَ ككنزٍ
فإن لم تصُنهُ ذوى واندثرْ
فويحي تبدَّلَ فيهِ الصميمُ
وصارَ الذي جوفُهُ كالحَجَرْ
بُخارٌ بجوفِ الشهيقِ عبيرٌ
تعالَى زفيرٌ لهُ يَحتضِرْ
أما باتَ من شَمعةِ الروحِ قبْسٌ
يُنيرُ الطريقَ ضياهُ الأغرْ
وما باتَ يستنشقُ الصدرُ عطراً
وما باتَ يسقي نَداهُ الثمرْ
فما باتَ هذا الذي مَسَّ جيلاً
لِحاءٌ تجلّى على ما ظهرْ
فغطّى على النفسِ أصباغُ شَرٍّ
كَثوبٍ جميلٍ بلونِ القذَرْ
فسرْنا وصار الهوى في مَنانا
تلبيةَ نَزواتنا في السَهَرْ
ننامُ على لوثةٍ من قنوطٍ
ونصحو على لَفحةٍ من كدَرْ
بِقلبٍ محَوْنا الحياءَ صَبَغْنا
وجوهاً لِحاها الأبا والخَفَرْ
تجلّت بعفرٍ تعابيرنا
كَجلمودِ صخرٍ طواهُ القفَرْ
فكيف نُولي، لفِينا قُساةٌ
ونُلقي بلومٍ على من غفرْ
فأين الوفاءُ بأسلوبِنا
رَمَيناهُ بالأدبِ المُبتَكَرْ
رسولُ الخيالِ وقِيثارَةٌ
وخيلُ الهوى والبديعُ الأبَرْ
أهلْ يَنبض الطهرُ بالقلبِ يوماً
بروحِ الأصالةِ يا ابنَ البشرْ؟
رأيتَ عروساً لهُ في بُروجٍ
يُنبِّئُ فستانُها بالخبَرْ
على تاجها غيمةٌ من عبوسٍ
أفاضَت عليها الأسى والسَقَرْ
فآنَ لها أن تُزَفَّ وتَرقى
على هَودجٍ من خَميلِ الشجرْ
رجتْك تُشيِّعُ هذا الجَمالَ
على عِفَّةٍ لم يَنَلْها البشَرْ
من الطهرِ في وجنتيها حياءٌ
وللنورِ في مُقلتيها قمرْ
وللعشقِ في مَغرميها كتابٌ
يُداري لفي كلِّ فصلٍ أثَرْ
فشَمِّرْ أيا نَسلَ طُهرٍ ولَقِّحْ
أصيلَ العذارى، حَماك القدَرْ