بيروتُ...
وكأسُ الخَمرِ..
وموجُ البحرِ..
ولونُ الفجرِ..
وراقصةٌ تتقنُ فنَّ العُهرِ
ترسمُ فوقَ خليجِ الفِتنة نَهدْ.
وَقَفَ التّاريخُ على شاطِئها
جَمَّعَ منها للعالمِ باقةَ وَردْ
بيروتُ.. وليلُ الأمسِ
وذِكرى تَرسمُ حُزنَ اليأسِ
وتَتركُ إكليلاً فوقَ الرَّمسِ
وقافلةً تسألُ عن عاصِمةٍ
كانَ يُحاصِرُ فيها الأنسْ
يا طفلةَ شاطئنا...
ياقِبلةَ أمّتنا..
يالونَ حَضارتِنا..
مَن جاءَ إليكِ بلا مَوعدْ
مَن جَرَّدَ أوسِمةَ العِشقِ
وكَبَّلَ مِعصمَكِ العَاجيَّ
بقيدِ الرِّقْ
يا رَمزَ الحُريةِ
يا بوابةَ هذا الشَّرقْ
مِن أجلكِ يا بيروتُ أُصَلي
مِن أجلكِ يا بيروتُ أُغني
أرفُضُ يا زمنَ القَهرِ وجُودي
خلفَ حُدودِ الصَّمتْ
خارجَ دائرةِ الليلْ
بيروتُ هُنا..
والليلُ تَلَبَّدَ بالأفْقِ
وأنذَرَ.. أنذَرَ بالرَّعدِ
وكَسَّرَ أهدابَ الغَيمِ
وقَدَّمَ مِن أجلِ الثَّورةِ
للأرضِ.. شَرارةَ بَرقْ
بيروتُ هُنا...
في أعمَقِ خَلجاتِ القَلبِ
في كُلِّ دِماءٍ عَربيهْ
في النَّخلةِ...
في حَبَّةِ رملٍ سَمراءَ
تُلَوِّنُ قُرصَ الشَّمسِ
تُذَكِّرُ أجيالَ العَرَبِ
عَن فاتِنةٍ غَجَريهْ
عن فِتنةِ حُبٍّ زَرَعَتْها
رَسَمَتْها فَوقَ خَريطَتِها
أجنِحةُ الشَّبَقِ السَّادِيهْ
وَقَفَتْ كالحَلمَةِ فَوقَ النَّهدْ
كالرِّعشَةِ حينَ تُكسِّرُ عُنفَ الجَسَدِ
وقَفتْ تَحكي للأطفالِ أقاصيصَ الحَربِ
عن مُهرةِ عَنترةٍ وحصانِ صلاحِ الدّينْ
عن حِطينْ
عن فارسِ أحلامٍ يَرقُبُها
يُودِعُ فيها كُلَّ الشَّوقْ
يُنسيها فَرَحَ الليلِ وكأسَ العِشقْ
مازالتْ بيروتُ تُحدثُنا ونُحذثُها...
مازالتْ تَروي...
والأطفالُ عيونٌ تَرمقُها
سَمعوا كُلَّ حديثٍ مِنها
لمْ تَستَسلمْ أجفانُهُمو للنَّومْ
لمْ تَستَسلمْ...
ظَلتْ تَسردُ أخبارا
ظلتْ تُنشدُ أشعارا
آهٍ يا بيروتُ... وآهْ
حائرةٌ أنتِ بلا مأوى
تَبحثُ عنكِ الأقدارُ
عِشتِ على كُلِّ الأنقاضِ
وظلتْ أنفاسُكِ لاهِثةً
رُغمَ الموتْ
ظَلتْ كُلُّ قَصائدكِ الشِّعريةِ مَقهورهْ
وتَجَمَّعَ فيكِ الحِقدْ
بطَوائفِهِ... بِشَرائعِهِ
بِطبائعِهِ النَّازِيهْ
وتَعسكَرَ خَلفَ البَواباتِ المفتوحةِ
كي يَسلخَ مِن جِلدكِ
هذا اللونَ العَربيْ
كي يَزرعَ في رَحمِكِ صورةَ مِسخْ
بدأتْ قصةُ هذا الحَملِ
وكانَ العارْ
حُبلى ما زلتِ وهذا النَّغلُ الرَّاقِدُ
في أحشائكِ يا بيروتُ.. تَرَجَّلْ
حُبلى مازلتِ وهذا النَّغلُ الرَّاقدُ
في أحشائكِ... في أحيائكِ...
فوقَ ربوعِكِ... غيَّرَ لَونَ الأرْزِ
ونامَ على سَاحِلِ بَحرِكِ
يحمِلُ خِنجَرْ
يَطعنُ أكثَرْ
أصبحَ أكبَرْ
مِن فُوَّهةِ رَشاشٍ أرْعَنْ
مِن لُغمٍ عِندَ حُدودِ الصَّمتِ تَفَجَّرْ
فَقِفي يا بيروتُ قِفي...
وَخُذي مِن زادِكِ كِسرَةَ خُبزٍ
تَأكُلُها أطفالُكِ يومَ المِحنةِ.. والطّوفانْ
تُنسيهم وجَعَ الأقدارْ
ليِناموا فَوقَ فِراشِ الرُّعبْ
ليناموا...
تحتَ دِثارِ الفِتنةِ يَرتَجفونْ
أطفالٌ لا تُدركُ معنى القَهرِ
ولا كيفَ يكونْ
أطفالٌ تَعرفُ عُمقَ براءتِها
مِن زهرِ النَّرجسِ والليمونْ
في شاتيلا
تَعرفُها كُلُّ مزارعِ صبرا
فَوقَ جُذوعِ الأرزْ
فوقَ الجُثَثِ المقتولةِ والمذبوحَةِ
في بيروتْ.
تُوجدُ مِقصَلةٌ
هَيأها حِلفُ النَّاتو الملعونْ
مازالتْ بيروتُ ومارينزُ التَّترِ
مازالتْ تَسردُ أخبارا
مازالتْ تُنشدُ أشعارا
عَن بارودٍ يَحرقُ وجهَ الأمسْ
عن صاروخٍ أطفأ نورَ الشمسِ
وهدَّمَ صرحَ الحُبِّ
عن كابوسٍ أغمَدَ في صدرِ الأمّةِ خِنجَرَهُ
ك التِّنينِ أتى...
بِثلاثِ رؤوسْ
الرّأسُ الثالثُ نَعرفُهُ
الرّأسُ الثالثُ مِن دَمِنا
أمريكا والصهيونيه
والرَّأسُ الثالثُ... رَجعيه
تنينٌ أكبرُ رأسٍ فيهِ
هذا الرّأسُ القاتِلُ يَنفثُ نارا
يَزرعُ في بيروتَ دمارا
الموتُ حَضارتُه..
والحقدُ ذخيرتُهُ...
في هانوْي
كانَ يمثلُ أدوارا
يُخرجُها البنتاغون الأمريكي
ويُقدمها في أعيادِ الميلادِ هدايا
بِوسائلِهِ.. بمنازعِهِ الوَحشيةِ
يَقْبلُها مَن لا يعرفُ للإنسانِ قَضيه
يُؤمِنُ فيها...
مَن حَوَّلَ مفهومَ الرِّقِّ.. قَنابِلَ عُنقوديه
تُقذَفُ في قلبِ جنوبِكَ يالبنانْ
أو في كُلِّ مَكانْ
يُوجَدُ فيهِ الأبيضُ والأسودُ..
والتَّمييزُ كِيانْ.