عَفَا مَهْدُ مَيْلَادِي وَأَقْفَرَ مَرْبَعِي ... وَأَمْسَتْ جِرَاحِي فِي المَنَافِي مَرَجِعِي
رَعَى اللَّهُ عَهْدَ الوَصْلِ فِي غَسَقِ الصِّبَا ... بِبَغْدَادَ إِذْ غُصْنُ المَسَرَّةِ مُورِقِي
بِلَادٌ حَوَتْ نَبْضَ الفُؤَادِ جِدَارُهَا ... وَأَلْقَتْ رِدَاءَ السَّعْدِ فَوْقَ تَرَعْرُعِي
طَوَى الدَّهْرُ خَمْساً بَعْدَ أَرْبَعِينَ حِجَّةً ... أُصَابِرُ كَأْسَ البَيْنِ وَالسُّمُّ نَقِيعِي
تَمُرُّ عُقُودُ العُمْرِ تِبْعاً وَخَنْجَرٌ ... يُقَطِّعُ أَسْبَابَ الرَّجَاءِ بِمَضْجَعِي
نَفَتْنَا المَقَادِيرُ الجَوَائِرُ عَنْ حِمَىً ... كَمَا انْفَلَّ مَجْدُولُ الحِصَادِ المُوَزَّعِ
فَأَهْلِيَ شَتَّى فِي الفَيَافِي تَفَرَّقُوا ... فَلَا عَيْنَ تَرْنُو، لَا صَدَى الصَّوْتِ مَسْمَعِي
تَقَاذَفَهُمْ مَوْجُ التَّشَرُّدِ عَنْوَةً ... فَكُلٌّ إِلَى صَوْبٍ مِنَ الأَرْضِ مُسْرِعِي
سَرَوْا فِي دُرُوبِ التِّيهِ لَا دَارَ تَحْتَمِي ... بِهَا خُطْوَةُ الظَّاعِنِّ وَالْمُتَفَجِّعِ
إِذَا هَزَّنِي الشَّوْقُ اللَّجُوجُ لِأَرْضِهَا ... مَزَجْتُ مِيَاهَ الدِّجْلَتَيْنِ بِأَدْمُعِي
وَأَذْكُرُ جِسْراً قَدْ عَبَرْنَا ظِلَالَهُ ... فَيَلْتَاعُ مَحْزُوناً هُنَالِكَ مَسْمَعِي
يَمُرُّ نَسِيمُ الكَرْخِ عَذْباً فَيَنْتَشِي ... بِهِ نَازِحٌ ضَاقَتْ عَلَيْهِ أَرْبُعِي
سَلَامٌ عَلَى بَغْدَادَ مَا لَاحَ كَوْكَبٌ ... وَمَا اهْتَزَّ شِعْرِي فِي لَهِيْبِ تَوَجُّعِي
تَبَدَّدَ شَمْلُ الأَوْفِيَاءِ فَمَا بَقِي ... سِوَى غُصَصٍ تَقْتَاتُ بَيْنَ أَضَالُعِي
وَمَا زِلْتُ أَقْتَاتُ الأَمَانِي لَعَلَّهَا ... تَرُدُّ لِيَ الأَيَّامَ قَبْلَ مَصْرَعِي