للنَّعيم المقيمِ توفيقُ سارَا
بعد ما أَورث البلادَ اليَسارَا
وأقام الإصلاحَ في مصرَ حتى
بمزاياهُ فاقتِ الأمْصَارا
منح القُطر كلَّ نفعٍ عميمٍ
ليس يمحو له المدى آثارا
ملكٌ أشبهَ الملائكَ سرّاً
فتسامى عن الملوك جهارا
وفّق الله بالرّشاد سجايا
هُ لفعل الخيراتِ مهما أشارا
واصطفاه المولى لما يرتضيهِ
ولنِعمَ الذي اصطفى واختارا
عمرهُ في أوقاتهِ بارك اللّ
ه وإن كانت في الحياةِ قِصارا
غرس الخيرَ للرعايا فنالتْ
من مزايا غِراسه الأثمارا
ووفَاها حقوقَها بمزيدٍ
فبدَتْ بعد رِقّها أحرارا
رفع الصّخرةَ الثّقيلةَ عنها
بعدما أنهكتْ قِواها اضطرارا
ومحا الاستبداد عن جبهة القُط
ر وفي أمره ارْتأى واستشارا
وأزال الفسادَ والبغيَ والعُدْ
وانَ والغيَّ والشّقا والدّمارا
وأباد المُكوسَ والسَّلبَ والرّشْ
وةَ والسَّوطَ والرّدى والشَّنارا
وأقرَّ العيونَ بالأمن والرَّا
حةِ في أرغد النّعيم ديارا
كمْ وكمْ من ضرائبٍ ورسومٍ
عن رعاياهُ خفّف الأوزارا
كم وكم من عوائدٍ سيّئاتٍ
صار إبطالُها لهُ تَذكارا
كم وكم من مغارمٍ وظُلاما
تٍ محاها فأثبت الاِفتخارا
كم وكم من قناطرٍ قد بناها
يصلح الريَّ وضعُها استمرارا
كم وكم من جداولٍ أجراها
فنما الخِصبُ حيث عمّ القِفارا
كم وكم من مكارمٍ أسداها
كان منها غيثُ النّدى مِدرارا
رحم اللّه سيّدًا طاب أصلاً
وفروعًا ومَحتِدًا ونِجارا
رحم اللّه سيِّدًا ساد بالحُبْ
بِ وقاد القلوب والأسرارا
رحم اللّه سيِّدًا شاد للفوْ
زِ عمادًا وللفلاح جدارا
رحم اللّه سيِّدًا كان للمجْ
دِ وسامًا وللمعالي سِوارا
رحم اللّه سيِّدًا كان يُجدي
من عطاياه ما يفوق البِحارا
رحم اللّه سيِّدًا كان يُحيي
بالمبرّات ليلَه والنهارا
رحم اللّه سيِّدًا كان يعفو
عن كثيرٍ ويحسنُ الاِغتفارا
رحم اللّه سيِّدًا كان غوثًا
وملاذًا حِماه قد عزَّ جارا
رحم اللّه سيِّدًا كان يُبدي
من صواب المدارك الأفكارا
كان للعلم والمعارف كنزًا
تستمدُّ الأذهان منه النُّضارا
كان للزَّهدِ والعفاف مثالاً
لا ترى فيهما لهُ أنظارا
كان للدِّين خيرَ جاهٍ وللّدنْ
يا جمالاً يزهو بها إسفارا
كان في هالة الكمالات بدرًا
من سناهُ أفْقُ العقول اسْتنارا
كان في حكمة السّياسة قُطبًا
لرحاها أصاب حيث أدارا
كان في تقليد المناصب يُسدي
كلَّ كفْءٍ ويعرف المقدارا
كان يُحيي دوارسًا من بيوت الْ
مجدِ عزّاً لا يعقبُ الاِندثارا
كان بالحلم والسكينة والسِّلْ
مِ دوامًا يُرجّح الاِبتدارا
كان طودَ الثبات في العزْمِ والحَزْ
مِ كما كان كوكبًا سيَّارا
كان يتلو وُعودَه إنجازٌ
يتوالى فيسبقُ الاِنتظارا
كان يُدني السّرور للناس صفوًا
في هناءٍ ويُبعد الأكدارا
كان للمُعوِزِين منهم يُواسي
ويُؤاسي المرضَى ويُغني افتقارا
كان في الخافقَيْن صيتُ سجايا
هُ يروقُ المَلا ويعلو اشتهارا
كان مصداقَ كلِّ شكرٍ فمهما
بلغ الحمدُ فيه لا يتمارى
فانتقاه المنونُ من غير مهلٍ
وكذا الموتُ ينتقي الأخيارا
فاجأ الخطبُ فيه مذ ترك النّا
سَ سُكارى وما همُ بسكارى
ذهلتْ منهمُ العقولُ اندهاشًا
فبدا الكلُّ هائمين حيارى
ولهيب الأحشا تَضَرَّم حتّى
كاد يرمي من العيون الشّرارا
وبُخار الجوَى تصاعد لمّا
سال من أجفان البُكا أنهارا
وأنينُ القلوب من وَجْدها لم
يُبقِ للاِحتمال فيهم قرارا
وأزيزُ الصدور من شدّة الكَرْ
بِ أضاق الأنفاسَ فيه انحصارا
أيُّ كربٍ من قبله في البرايا
هدَّ ركن القوى وأوهى اصطبارا
ومصابٍ قد دكَّ طودَ المعالي
مثلَه فاعتدى وساء ابتدارا
خانَنا الدهرُ بالجناية فيهِ
فاستحقَّ العقاب والاِنتهارا
ثم عضَّ البنانَ منه حزينًا
فأتى «بالعبّاس» يُبدي اعتذارا
هو أسمى غصونِ دوحة ملكٍ
أينعَتْ في مصرٍ وطابتْ ثمارا
ولعمري فأيُّ نبلٍ تراهُ
مثل نبل العباس ليس يبارى
نال بالاِجتهاد خيرَ علومٍ
قد أدامتْ لفضله الإظهارا
فهو البحر في الحقيقة إلاّ
أنه العذبُ حيث يروي الأُوارا