قَالُوا: قُبِضْتَ فَقُلْتُ ذَاكَ مَصِيرُنَا
مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ بَقَاءِ
إِنَّا إِلَى رَبِّ الوُجُودِ مَرَدُّنَا
كُلُّ النُّفُوسِ لِحَتْفِهَا وَفَنَاءِ
لَكِنَّنِي أَبْكِي بِمَوْتِكَ رَوْضَةً
غَنَّاءَ مِنْ أَخْلَاقِكَ العَلْيَاءِ
كَمْ كُنْتَ سَمْحاً مَاجِداً ذَا مَنْطِقٍ
عَذْبٍ، وَفِيكَ مَهَابَةُ العُظَمَاءِ
لَا غِلْظَةٌ، بَلْ حِكْمَةٌ وَتَبَسُّمٌ
رَغْمَ اشْتِدَادِ الدَّاءِ وَالبَأْسَاءِ
وَالحِلْمُ عَهْدُكَ وَالِدِي مَا خُنْتَهُ
قَدْ كُنْتَ دَوْماً سَيِّدَ العُقَلَاءِ
فَالفِعْلُ بَاقٍ، وَالسَّمَاحَةُ مَنْهَلٌ
وَالذِّكْرُ نُورٌ فِي حَالِكِ الظَّلْمَاءِ
أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ مَا اشْتَكَيْتَ تَبَرُّماً
فَأَتَتْكَ كُلُّ سَعَادَةٍ وَهَنَاءِ
فَالنَّفْسُ رَاضِيَةٌ، وَقَلْبُكَ طَيِّبٌ،
سَلَّمْتَ أَمْرَكَ وَاهِبَ النَّعْمَاءِ
فَأُبُوَّةٌ وَبُعُولَةٌ وَأُخُوَّةٌ
شَهِدَتْ بِأَنَّكَ سَيِّدُ الآبَاءِ
قَدْ كُنْتَ فِينَا نَاصِحاً وَمُعَلِّماً
وَمَلَكْتَ حُبّاً سَطْوَةَ البُلَغَاءِ
كَانَتْ حُرُوفُكَ بَلْسَماً لِلرُّوحِ إِنْ
عَمِيَتْ عَلَيْهَا صَحْمَةُ الْأَهْوَاءِ
يَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تُرَى مِنْ بَعْدِكُمْ
نَلْقَى مِثَالَ حَنَانِكَ الوَضَّاءِ
فِقْدَانُ مِثْلِكَ يَا حَبِيبَ قُلُوبِنَا
أَمْرٌ يَفُتُّ القَلْبَ فِي الْأَحْشَاءِ
فَاليَوْمَ صَارَ القَلْبُ بَعْدَكَ مُوحِشاً
وَخَبَا ضِيَاءُ الحُبِّ فِي الْأَنْحَاءِ
إِنْ غَابَ وَجْهُكَ عَنْ عُيُونِ أَحِبَّةٍ
فَقُلُوبُهُمْ فِي لَهْفَةٍ وَشَقَاءِ
لَا زَالَ دَمْعُ العَيْنِ بَعْدَكَ جَارِياً
كَالنَّهْرِ فَاضَ لِفُرْقَةِ الكُرَمَاءِ
أَبْكِي عَلَيْكَ وَحُقَّ لِيْ هَذَا البُكَا
ءُ، فَإِنَّهُ لِلنَّفْسِ بَعْضُ شِفَاءِ
وَعَزَاؤُنَا مَا جَاءَنَا عَنْ أَحْمَدٍ
أَنَّ الْأَحَاسِنَ أَقْرَبُ الجُلَسَاءِ
أَنَّ الْمَثُوبَةَ لِلَّذِي رَضِيَ القَضَا
ءَ وَزَانَهُ صَبْرٌ عَلَى الضَّرَّاءِ
يَا رَبِّ وَسِّعْ قَبْرَ مَنْ سَكَنَ القُلُو
بَ، فَمَا لَهَا إِلَّا دُمُوعُ رَجَاءِ
وَاجْعَلْهُ فِي الفِرْدَوْسِ نِعْمَ مَقَامُهُ
حَتَّى نُلَاقِيَهُ بِلَا عَنَتٍ وَلَا لَأْوَاءِ
وَسَلَامُ رَبِّي كُلَّمَا طَالَ المَدَى
يَغْشَاكَ فِي رَوْضَاتِهِ الخَضْرَاءِ
فَإِلَى الإِلَهِ رحلتَ قَلْباً طَاهِراً
تَبْكِي عَلَيْكَ السُّحْبُ فِي الأَرْجَاءِ