عهدَ الشبابِ، أعِدْ إليَّ مِراحي
واردُدْ عليَّ صَبابتي، ومِلاحي
فإذا أبيْتَ، فجُد عليَّ بنَسمةٍ
ممزوجةٍ بعَبيركِ الفوَّاح
كم فيك من أملٍ بعيد الغوْر، أو
حُلم يداعبُ كلَّ جَفْنٍ صاح
ما شبَّ نارَ الحب غيرك. لا، ولا
أوحى بعذب الشعر مثلَك واح
حسبي عزاءً: أنْ مضَيْتَ ولم تَشُب
بنقيصة صُحُفي، ولا ألواحي
وأنِ انقضيْتَ، وما انقضَتْ لي عزمةٌ
كلا، ولا فَلَّ المشيبُ سلاحي
إنِّي احتفظتُ لكلِّ يوم حفيظةٍ
ببقية من عزمك القدَّاح
فإذا دعا داعي العروبة في غدٍ
حاربتُ جنديَّا بجيش «صلاح»
اللهُ يعلمُ، ما قضَيْتُك عابثًا
يهوى الملاح، أو احتساءِ الراح
لم أقضِ في التشبيبِ شرخَ شبيبتي
لكن وقَفتُ على الحمى أمداحي
أنا باليراع ولا أمنُّ على الحمى
كافحتُ الاستعمارَ أيَّ كفاح
ولكم مشيْت مع اللِّداتِ مناديًا
بحياة مصر، أو سقوطِ سجاح
مستقبلين رصاصَها، ورصاصُها
ينصبُّ مثل الوابل السّحّاح
لا نثني فزعًا أمامَ أزيزهِ
بل نحمل الأرُواحَ فوق الراحِ
قل للشبابِ مقالةً من ناصحٍ
إنّ الشباب أحقُّ بالنُّصَّاحِ:
هذا زمانٌ، لا مجالَ لمنطِقٍ
فيه، ولا خُطَبٍ تقال فِصاحِ
الحقُّ فيه للقويِّ بجيشه
ولمن يطيرُ إلى السُّها بجَناحِ
ويدِبُّ في الصحراء ليثًا كاسرًا
ويغوصُ تحتَ الماء كالتمساحِ
الحقُّ للصاروخ يعصِفُ بالورى
عصْفَ الرياحِ الهُوج بالأدواحِ
قل للشباب: زمامُكم قد بات في
يدكم، ونيلكمو طليقُ سَراحِ
قد كان سلسَلهُ مباحًا للورى
لكنه للأهل غيرُ مُباحِ
فاليومَ: ليس يسوسُهُ مستعمرٌ
باغٍ، ولا مَلِكٌ من الأشباح
لم يأته استقلالهُ عفوًا، ولا
جادتْ به يدُ محسنٍ مسْماح
لكننا اصطدناه صيدِ الدُّرِّ من
بحرٍ تلاطَمَ بالدم السفاح
ضُموا على استقلالكم أجفانكم
وافدُوه بالمُهجَات والأرواح
هوتُ العروشُ الواهناتُ، كما هُوى
ورقُ الخريف أمامَ عصف رياحِ
النيل طوَّحَ في الهواء بواحدٍ
ومحا أخاه بشطِّ دِجْلةَ ماحِ
وانهار في بغدادَ حلف زائف
قالوا: ابنها. قلنا: بل ابنُ سفاحِ
وتوحدت «سوريا» ومصرُ؛ فصَارنا
كالماءِ، والصهباءِ في الأقداحِ
فاسترجعوا مجدَ العروبة بالقوَى
والقَسْر، ولا بتوجُّعِ، ونَواح
ردُّوا على الإسلام عصرَ أُميَّةِ
ولَياليَ المنصور، والسفَّاحِ
لا تبذلوا العلم كل جهودكم
العلم ناحيةٌ، وَثَمَّ نواحِ
كم ناجح متفَوِّقٌ في درسه
دخل الحياةَ، فلم يَفُز بنجاحِ
شُدُّوا الجوارحَ بالرياضة، وابتنُوا
لجسومكم عضَلاً من الصُّفَّاح
فبساقَي العَدَّاء يفتخرُ الحمى
كفَخَاره بذراعَي السَّبَّاحِ
كونوا شِحاحًا بالكرامة، وابذلوا
أقواتكم للضيف غيرَ شِحاح
وتعلموا الأدبَ الرفيعَ؛ فإنه
لا خيرَ في نُطق بلا إِفصاح
وإِذا نزلتُمْ بالقُرى، فعليكم
دَينٌ ثقيلُ العبء للفلاَّح
صدوا أعاديَه الثلاثَةَ، تَضَمنُوا
للريف كلَّ تقدُّمٍ وفلاح
واستمسكوا بالدين؛ فهْو دريئَةٌ
للنشء، كَّباحٌ لكلِّ جِماح
والله، ما عاقَ النهوضَ بأُمّةٍ
تَبِغي النهوض كملحدٍ وإِباحي
شُقُّوا بمعتَرَك الحياة طَريَقكم
ليس النجاح لخامل بمتاحِ
ودَعوا دواوين الحكومة؛ إنها
عند الحساب قليلةُ الأرباحِ
لا تفتنَنكَّم المظاهر؛ إنها
مثلُ السراب الخادع اللمَّاحِ
كم صانعٍ بالقارِ خُضِّبَ ثوبُه
فعددتُ هذا القارَ خيرَ وشاحِ
سيَّانِ يومَ الفخر في نظر الحمى:
فأس الأجير، ومبضَعُ الجَرَّاحِ
نشئُ الكنانة خيرُ عهدٍ عهدكم
لا عهد «رمسيس»، وعهدِ«فتاحِ»
لا تُقلقوا فرعون في تابوته
قد راح الجيل أيّ رَواحِ
تيهوا بحاضركم، وشِيدوا مجدكم
بعزائم لا ينثَنينَ صِحاحِ
وخذوا «جمالاً»، أو «كمالاً»قدوة
في الجِدِّ، والتعمير، والإصلاحِ