تخطَّ إلى المحتوى

مسراك نور و أنسام و أنداؤ

غير معروف

٥٤ بيت

المتفرقات

مسراك نور و أنسام و أنداؤ

فاخفق شراعي ، و طر ، يصدح لك الماء

يا أيها القلق الحيران كم أمل

تشدو به موجة في بحر العذراء

يحدوك بالنّغم السّكران أرغنها

في مسبح ماؤه زهر و صهباء

أما ترى البحر يبدو في مفاتنه

لكلّ جبّ جديد فيه أجواء ؟

و فجره صائد طارت بمهجته

حوريّة في فجاج اليمّ شقراء ؟

و ليله مرقص تغشاه غانية

في مطرف أسود وشّاه لألاء ؟

شتّى مواكب من روح و آلهة

لها التّفات إلى الماضي و إصغاء

تهرّها بقديم الشّوق أشرعة

مرنّحات تغنّهن أنواء

يقودهنّ على الأمواج في مرح

ملاخ واد له بالتّيه إغراء

ما بين عينيه سال البرق مبتسما

و استضخكت قلبه مزن و هوجاء

زوته عنها السّنون السّبع و اختلفت

عليه من بعدها نعمى و بأساء

مغرّبا في ديار من عشيرته

بها الأحبّة حسّاد و أعداء

و قيل كفّته عن دنيا شوارده

بيضاء من شعرات الرّأس غرّاء

لا يا غرامي ، و هذا الفنّ ملء دمي

بالنّار و الصّبوات الحمر مشّاء

ما أفلتت من يدي غيداء عاصية

إلا و عادت إليها و هي سمحاء

و ذاك شاطئنا المسحور تزحمه

من ذكرياتك أطياف و أصداء

على الصّخور الحواني من مشارفه

ربّات وحي ، و أشواق ، و أهواء

أقمن منتظرات ، ما شكون ضنى

و قد تعاقب إصباح و إمساء

حتّى رأتني على بعد مطوّقة

مجروحة الصّوت ، و لهى اللّحن ، سجواء

همّت تغنّي فكانت نبأة و صدى

صحت لوقعهما دوح و أفياء :

عرائس الشّعر قد عاد الحبيب ، و في

عينيه سهد و تعذيب و إضناء

آب المغامر من دنيا متاعبه

أما له راحة منها و إغفاء ؟

دعيه يحلم بأنّ البحر في دعة

و الرّيح ناعمة ، و الأرض قمراء

و انها في ظلال السّلم نائمة

و أنّها جنّة للحبّ غنّاء

و قرّبي كأسه و اصغي لمزهره

يسمعك أشجى نشيد زفّه الماء

و قيل لبنان سحر الشرق ، فاندفعت

سفينة و هفت بالشّوق دأماء

أوحى له الشّرق أنّا من أحبّته

و أنّنا في الهوى أهل أودّاء

فقرّبتنا و شفّت عن بشاشته

به قرى كربوع الخلد شجراء

في كلّ منحدر منها و مرتفع

مسحورة النّبع ، ريّا النّبت ، جلواء

فعلّقت بمغانيه نواظرنا

و قبّلت نسمات الأرز حوباء

و استقبلتنا الطّيور في مناقرها

شدو ، و زيتونة للشّرق خضراء

ترقّص الموج إذا مسّته أجنحها

كقلب آدم إذ مسّته حواء

في ساحل من خرافات و أخيلة

بهنّ لبنان روّاح و غدّاء

لاحت على سفحه بيروت فاتنة

صبيّة و هي مثل الدّهر شمطاء

توسّدت صخرة الآباد و التفتت

ترعى سفائن من راحوا و من جاؤوا

أتلك بيروت ؟ أم بابل صور

معلقات ، لها بالسّحر إيحاء !

شغل العباقرة الشادين من قدم

مجددين لهم في المجد أسماء

و أومأت بالهوى عاليّ فاعتنقت

من حولنا ثمّ أظلال و أضواء

قامت تنسّق من ماء و من شجر

فكلّ ناحية زهر و أجناء

كأنّما نبّئت من عشتروت لقا

فازيّنت فهي سيقان و أثداء

تقول : يا ربّة الحسن انظري و صفي:

أفوق واديك مثلى اليوم حسناء ؟

عاليّ ، رفقا بأبصار مدلّهة

لها إلى الحسن بالألباب إفضاء

عاليّ ، إنّا نشاوى من هوى و أسبى

إنّا محبّون ، يا عاليّ ، أنضاء

و حان بعد وداع من فرادسها

و قد حرت بخطى الشّمس المليساء

فاغرورقت بدموع الوجد أعيننا

و أشفقت من وجيب القلب أحناء

و سار عنها شراع حائر قلق

له إلى الغرب بالأسفار إيماء

يل بحر ما بك ؟ هل مسّتك عاصفة

أم استخفّك إزباد و إرغاء ؟

أشاقك الغرب أم شفّتك موجدة

لما خبت من ربوع الشّرق أسناء ؟

هذي السّماء صفاء ، و الدّجى قمر

للحسن فيه و للعشّاق ما شاؤا

يا بحر ما بك ما بي! مصر ما بعدت

ولي إليها بهذا الشّعر إسراء

عجبت و العصر حرّا كيف في يديها

هذا الحديد له حزّ و إدماء !

أقسمت لا رجعت بي فيك جارية

إن لم تجئ عن جلاء القوم أبناء

و أنّ مصر بحريّاتها ظفرت

فأهلها اليوم أحرار أعزّاء

أقسمت ، إلاّ إذا نادت بقتياها

فهبّ مستقتل عندها و فداء