تخطَّ إلى المحتوى

ما الرعاة آثارهم فترنموا

غير معروف

٧٩ بيت

المتفرقات

ما الرعاة! آثارهم فترنموا؟

هل طاف بالصّحراء منهم ملهم؟

أم ضوّأت سيناء في غسق الدّحى

وجلا النّبوءة برقها المتكلم؟

نظروا خلال سمائها وتأأمّلوا

وتقابلت أنظارهم فتبسّموا

إيه فلاسفة الزّمان فأنتمو

ببشائر الغيب المحجّب أغلم

هذا النّشيد الأسيويّ معاده

نبأ تقرّ به الشعوب وتنعم

وطريقكم مصر وإنّ طريقها

أثر الوحي القديم ومعلم

ألاّ يكون الفجر هدي خطاكمو

فدليلكم قبس الخلود المضرم

هو سحر مصر، وعرشها، ولواؤها

والصّولجان، وتاجها المتوسم

وجبين صاحبها العزيز وإنّه

نور على إصباحها متقدّم

أوفى على الوادي بضاحك ثغره

وجه تقبّله السّماء وترأم

مسترسل النّظر البعيد كأنّه

ملك يفكر أو نبيّ يلهم

وكأنّما الآمال عبر طريقه

أنفاس روض بالعشيّة ينسم

ينتظر الحقل النّور خطوه

والنّهر والجبل العريض الأيهم

فكأنّ روحا عائدا من طيبة

فيه شباب ملوكها يتبسّم

هتف البشير به فماجت أعصر

وتلفّتت أمم ودارت أنجم

هذا هو الملك الذي سعدت به

مصر، وهذا حبّها المتجسّم

لمن البنود على العباب خوافقا

لمن النّسور على السّحاب تحوم؟

لمن المواكب مائجات مثلما

أومت عصا موسى فشقّ العيلم؟

ولم الصّباح كأنّما أنداؤه

كأس تصفّق أو رحيق يسجم؟

ولم اختلاج النّيل فيه كأنّه

شيخ يذّكر بالشّباب ويحلم؟

ولمن هتاف بالضّفاف مردّد

أشجى من الوتر الحنون وأرخم؟

ولمن عواصم مصر حالية الذّرى

تغزوا بوارقها النّجوم وتزحم؟

ولم احتشاد سرائري وخواطري

ولمن شفاه بالدّعاء تتمتم؟

أسكندرية قد شهدت فحدّثيني

فاليوم قد وضح الحنين المبهم!

هاتي املأي كأسي وغنّى واعصري

خمرا أعلّ بها ولا أتأثّم

إن كنت أفق الملهمين وأيكهم

إنّي إذا غرّيدك المترنّم

يا درّة البحر التي لم يتّسم

جيد البحار يمثلها والمعصم

جددّت أعراس الزّمان وزانها

ركب لفاروق العظيم ومقدم

ما عاد جبّار الشّعوب وإنّما

قد عاد قيصرك الرّشيد المسلم

في مهرجان لم يحط بجلاله

وصف ولم يبلغ مداه توّهم

يوم الشّباب ولا مراء وإنّه

للشّرق عيد والكنانة موسم

قد فتح التّاريخ كتابه

يصغي إليه ويشرئبّ المرقم

مولاي، أمل عليه أوّل آية

لشباب شعب خالد لا يهرم

هو من شبابك يستمدّ رجاءه

ويسود باسمك في الحياة ويحكم

هزّ الفتى الأموي تحت إهابه

منه مضاء كالحسام مصمّم

فمشى يطوّح بالعروش كأنّه

شمشون في حلق الحديد يحطّم

دون الثلاثين استثير فأجفلت

أمم وراء تخومه تتأجّم

والمجد موهبة الملوك وإنّما

تبني المواهب، والخلائق تدعم

ويضيق بالشّعب الطّموح يقينه

ويثير مرّته الخيال فيعرم

قوت الشّعوب وريّها أحلامها

إنّ الخيال إلى الحقيقة سلّم

يا عاقد التّاج الوضيء بمفرق

كالحقّ معقده هدى وتبسّم

أعظم بتاجك جوهرا لم يحوه

كنز ولم يحرز حلاه منجم

ميراث أول مالكين سما بهم

عرش أعزّ من الجبال وأضخم

نوابك شعبك حينما طالعتهم

طاف الرّحيق البابليّ عليهم

هتفوا بمجد واستخفّ وقارهم

أمل يجلّ عن الهتاف ويعظم

أقسمت بالدستور والوطن الذي

بك بعد ربّك في العظائم يقسم

برّا بوالدك العظيم وذمّة

لجدودك الصّيد الذين تقدّموا

وتطلعت عبر المدائن والقرى

مهج يكاد خفوقها يتكلّم

تصغي لصوتك في السّحابو رجعه

لحن على أوتارهنّ ينغم

خشعت له النّسمات وهي هوازج

وتنصّت العصفور وهو يهينم

وضعت سنابل مثلما أوحى لها

تأويل يوسف فهي خضر تنجم

يا صوت مصر، ويا صدى أحلامها

زد روعتي ممّا يهزّ ويفعم

ألقى المقادة في يديه وديعة

شعب لغير خطاك لا يترسّم

فتلقّ تاجك من يديه فإنّه

في الدّهر عروته التي لا تفصم

فليهنأ الملك الهمام بعيده

وليعرض الجيش الكميّ المعلم

مولاي جندك ماثلون فأولهم

سيفا يقبّل أو لواء يلثم

لمّا رأوك على جوادك قائما

وضعوا السّيوف على الصّدور وأقسموا

وكأن إبراهيم طيفك ماثلا

وكأنّ الشعوب بمثل جيشك تكرم

الأرض تعرفه وتشهد أنّه

سيل إذا امع الحديد وقشعم

طروس أم عكّاء عن أمجاده

تروي؟ أم البيت العتيق وزمزم؟

أم حومة السّودان، وهي صحيفة

السّيف خطّ سطورها واللّهذم؟

أم مورة الشّماء يوم أباحها

والنّار حول سفينه تتهزّم؟

لولا قراصنة عليها تآمروا

لم يعل نافرين هذا الميسم

فاغفر لما صنع الزّمان فإنّها

بؤسى تمرّ على الشّعوب وأنعم

وانفخ به من بأس روحك سورة

يرمي سطاها المستخفّ فيحجم

فالرّفق من نبل النّفوس وربّما

يلحى النّبيل بفعله ويذمّم

إنّا لفي زمن حديث دعاته

نسك، ولكنّ السّياسة تأثّم

ووراء كلّ سحابة في أفقه

جيش من المتأهّبين عرمرم

قالوا: فتى عشق الطّبيعة واغتدى

بغرائب الأشعار وهو متيّم

وطوى البحار على شراع خياله

يرتاد عالية الذّرى ويؤمّم

أنا من زعمتم: غير أنّي شاعر

أرضي البيان بما يصوغ ويرسم

إنّي بنيت على القديم جديده

ورفعت من بنيانه ما هدّموا

الشّعر عندي نشوة علويّة

وشعاع كأس لم يقبّلها فم

ولحون سلم أو ملاحم غارة

غنّى الجبال بها السّحاب المرزم

أرسلته يوم النّداء فخلته

نارا وخلت الأرض خضّبها الدّم

ودعاه عرشك، استهلّ خواطرا

فأتيت عن خطراتهنّ أترجم

ورفعت رأسي للسّماء وخلتني

أتناول النّجم البعيد وأنظم

فاقبل نشيدي إن عطفت فإنّه

صوت الشّباب وروحه المتضرّم

وسلمت يا مولاي للوطن الذي

بك يستظلّ، ويستعزّ، ويسلم!