ألقى الشّرارةَ في الهشيمِ الأحمقُ
فأحاط بالدّنيا حريقٌ مطبقُ
فتطايرتْ منه النّسورُ وطيّرتْ
في الخافقين لَظَاه حيْرى تَخْفق
في الجوّ أسرابًا يلاحقُ بعضُها
بعضًا تَهاوى مرةً وتُحلِّق
تبدو لعينِ المرء ساعةَ تختفي
كالبرق تلمحُه ولا تتحقّق
ولربّما ارتفعتْ إلى ألاّ تُرى
ثمّ ارتمتْ كالصّخر أو هيَ أسبق
تنسلّ من خلل الغمام وخلفها
كفُّ النّسيم تخيطُ ما يتخرّق
تلقي إلينا - وهْي حيثُ تصيبنا
وتفوتنا مع أنّها لا تلحق
كالجنّ أو كالموت أو هي منهما
أنجى وأجلبُ للدّمار وأمحق
حممًا تريك الأرض ترقص فوقها
شُمُّ الجبال وصخرُها يتمزّق
من كلّ صاعقةٍ يصمّ دويّها
أُذنَ الجماد يذوبُ فيها الفيلق
تعفو الدّيار ولا تغادرُ شارةً
تومي إلى ما كان قبل وتنطق
فَتَرى القصورَ كأنّما أنقاضُها
سِربٌ تفاجئه العُقاب فَيَفْرق
وجماجم القتلى وقد ألقتْ بها
للريح يَحْطمها الجدارُ فَتَلْصق
تتناثر الأشلاءُ ذي عنقٌ وذي
رِجْلٌ هنا، وهناك أُلقيَ مِرفق
والموتُ يبحثُ في الكهوف ويقتفي
أثرَ الحياة كما يجدّ المحنق
كم بين أنقاض المدائن كم حوتْ
لججَ الخضمِّ وكم يموتُ ويَغْرق
وقفَ الأنامُ على شفا جُرْفٍ فما
لمؤمِّل فيما يؤمّل مَوثِق
عُمِرتْ كهوف الأرض بعد قصورها
بالمترفين تُريحهم أو تخفق
ألفوا الظلام يلفُّهم في ثوبه
ليت الكواكبَ كلّها لا تُشرق
أَوَ حينما بلغوا السّماءَ بعلمهمْ
سكنوا الحضيض فليتَهم لم يَرْتقوا
أَوَ كلّما ارتفعت قواهم سُلّمًا
ترقى مظالمهم إليه فتَزْلق
في قوّة الإنسان لا في ضعفه
يبدو لك الضّعفُ المتينُ ويبرق
ولو انّ عند النّاس فضلَ تبصّرٍ
بطشوا بمن يبري السّهام وأطبقوا
كيف النّجاءُ من المُطلّة من علٍ
والأرضُ ميدانٌ لديها ضيّق؟