أَرَقْتُ لِذِكْرَى ظَاعِنِينَ تَحَمَّلُوا
فَمَا تَرَكَتْ فِي الصَّدْرِ إِلَّا البَلَابِلُ
فَوَقَفْتُ بِسَفْحٍ قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ
تُقَلِّبُهُ وَرْقَ الصَّبَا وَالأَرَامِلُ
بِهِ مِنْ بَقَايَا الحَيِّ وَتْدٌ مُعَفًّى
وَأَثْفِيَةٌ سُودٌ عَلَيْهَا الدَّمَاثِلُ
وَرَسْمٌ كَخَطِّ الكَفِّ فِي الطِّينِ دَارِسٌ
تُبَيِّنُهُ لِلْعَيْنِ طَوْرًا المَسَائِلُ
كَأَنَّ ظِعَانَ الحَيِّ يَوْمَ ارْتِحَالِهَا
سَفَائِنُ فِي فلاةِ السَّرَابِ تُمَايِلُ
تَمُجُّ بِهِنَّ البِيدُ حَتَّى كَأَنَّهَا
عَلَى كَبِدِ الصَّحْرَاءِ نُوقٌ قَنَابِلُ
فَمَا زِلْتُ أَبْكِي الرَّبْعَ حَتَّى كَأَنَّمَا
بِعَيْنَيَّ مِنْ جَمْرِ التَّذَكُّرِ فَتَائِلُ
وَأَسْأَلُ دَمْنًا لَا يُجِيبُ وَإِنَّمَا
يَرُدُّ عَلَيَّ الرِّيحَ وَهْيَ ثَوَاكِلُ
وَأَلْقَى بِجَنْبَيَّ الفَلَاةِ وَحْشَةً
إِذَا هَدَأَتْ أَصْوَاتُهَا وَالقَوَافِلُ
هُنَالِكَ كَانَ الحَيُّ لَوْ رُدَّتِ الصَّبَا
لَأَبْصَرْتَ نَارَ القَوْمِ وَهْيَ تُشَاعِلُ
وَأَسْمَعْتَ رَعْدَ القِدْرِ عِنْدَ مَبِيتِهِمْ
وَصَوْتَ النِّسَاءِ البِيضِ وَالرُّكْبُ نُزَّلُ
وَمَرْبِطَ عِيسٍ قَدْ أَثِيرَ غُبَارُهُ
وَحَوْلَ الخِبَاءِ الوُرْقُ وَالشَّاءُ تُهْمِلُ
وَهُنَّا حَدِيثُ الحَيِّ حَوْلَ قُدُورِهِمْ
إِذَا اللَّيْلُ مَدَّ السِّتْرَ وَالنَّجْمُ أَكْحَلُ
وَهُنَّا وَرَبْعُ الحَيِّ غَضٌّ رَأَيْتُهَا
تَشُقُّ سَوَادَ السِّتْرِ وَالصُّبْحُ أَمْثَلُ
خَرَجْنَا إِلَى خَمْلٍ مِنَ الرَّمْلِ دُونَهُ
أَرَاكٌ وَسَمْرٌ فِي ظِلَالٍ تُظَلِّلُ
فَأَبْصَرْتُ وَضَّاحًا تُرِيقُ جُفُونُهَا
عَلَى الصَّدْرِ نَبْلًا وَالثُّغُورُ تُقَبِّلُ
إِذَا مَا مَشَتْ هَزَّتْ غُصُونًا كَأَنَّهَا
بانَةُ رَمْلٍ فِي الهَبُوبِ تَمَيَّلُ
وَإِنْ ضَحِكَتْ فِي الثَّغْرِ بَانَ مُفَلَّجٌ
كَأَنَّ جُمَانَ اللَّيْلِ فِيهِ مُرَتَّلُ
وَإِنْ رَفَعَتْ عَنْ عَارِضَيْهَا لِثَامَهَا
تَبَدَّى سَنًى وَوَشْيُ الحِبَرَاتِ يَخْجَلُ
وَرِيقٌ إِذَا مَا ذُقْتُ ذِكْرًا لِطَعْمِهِ
تَحَلَّبَ فِي أَفْوَاهِنَا الشَّهْدُ وَالعَسَلُ
وَشَعْرٌ إِذَا هَبَّ الجَنُوبُ بِعِطْرِهِ
تَخَلَّلَ قَلْبِي وَالسُّهَادُ مُوَصَّلُ
وَخَلْخَالُهَا إِنْ مَرَّ فِي اللَّيْلِ وَقْعُهُ
تَمَايَلَ مِنْهُ السِّرُّ وَالطَّرْفُ يَخْتِلُ
وَكُنْتُ أُرَاقِبُ خُرُوجَ الظَّبِيَّةِ اخْتِلَاسًا
إِذَا انْفَتَلَتْ عَنْ خِبْيَةٍ لَا تُطَوَّلُ
فَتَكْفِينِيَ النَّظْرَةُ العَجْلَى وَإِنَّمَا
يُقِيمُ عَلَى النَّفْسِ الجَرِيحَةِ مَا يَقِلُّ
وَيَكْفِينِيَ الإِيمَاءُ مِنْ طَرْفِ جَفْنِهَا
إِذَا عَزَّ قَوْلٌ فَالإِشَارَاتُ تَفْصِلُ
وَكُنَّا إِذَا مَا اللَّيْلُ أَرْخَى سُدُولَهُ
تَلَاقَيْنَا وَالأَصْوَاتُ فِي الحَيِّ تَخْمُلُ
عَلَى حَذَرٍ وَالطَّرْفُ يَسْرِقُ بَعْضَهُ
إِلَى بَعْضِهِ وَالقَلْبُ بِالوَجْدِ يُثْقَلُ
وَرُبَّ لِثَامٍ قَدْ كَفَانَا كَلَامَنَا
وَرُبَّ سُكُوتٍ فِي المَوَدَّةِ أَعْدَلُ
وَرُبَّ مَمَرٍّ ضَاقَ حَتَّى كَأَنَّهُ
عَلَى سَعَةِ الأَرْضِ العَرِيضَةِ مَأْزِلُ
فَإِنْ هَبَّتِ الجَنُوبُ يَوْمًا بِرَوْحِهَا
حَسِبْتُ لَهَا مِنْ رِيحِهَا مَا يُعَلِّلُ
تَمُرُّ عَلَيَّ الهَوْنَ ثُمَّ كَأَنَّهَا
تُمَسِّدُ جُرْحًا فِي الضُّلُوعِ وَتَنْهَلُ
فَقُلْتُ لَهَا يَا رِيحُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَتْ
بِكِ الرَّائِحَاتُ العُذْبُ أَمْ أَنْتِ أَوَّلُ
أَمَرْتِ بِخِبْيَةِ الحَسْنَاءِ فَاخْضَلَّ عِطْرُهَا
عَلَيْكِ فَرَاحَ المِسْكُ مِنْكِ يُهَلْهِلُ
أَمَسَّكِ مِنْ أَثْوَابِهَا نَفَسُ الصِّبَا
فَصِرْتِ لِنَفْسِي وَهْيَ ظَمْأَى تُبَلِّلُ
فَإِنْ بَلَغَتْكِ الدَّارُ فَاقْرَئِي السَّلَامَ لَهَا
وَقُولِي فُؤَادِي عِنْدَ بَابِكِ مُقْفَلُ
وَقُولِي مَقَامُ الحَيِّ بَعْدَكِ مُوحِشٌ
وَمَا بَدَّلَ الإِقْفَارُ عَهْدًا مُؤَصَّلُ
وَقُولِي أُعِيدِي لِلسَّفْحِ بَعْضَ تَبَسُّمٍ
فَإِنَّ رُبَاهُ بَعْدَ وَجْهِكِ أَجْدَلُ
فَلَمَّا مَضَتْ جَنُوبُهَا وَانْثَنَتْ بِمَا
حَمَلْتُ تَبَيَّنْتُ النَّسِيمَ وَلَا تُوصَلُ
يُبَلِّغُ عِرْفًا ثُمَّ يَرْجِعُ خَادِلًا
وَلَيْسَ إِلَى جِسْمِ الحَبِيبَةِ مَدْخَلُ
فَزَادَتْنِيَ الذِّكْرَى عَلَى الوَجْدِ حُرْقَةً
وَعَادَ الَّذِي أَخْفَيْتُ فِي الصَّدْرِ يَشْتَعِلُ
وَمَا لَبِثَ الوُشَّاةُ حَتَّى تَكَاثَرُوا
عُيُونًا وَفِي أَفْوَاهِهِمْ سُمٌّ مُرْسَلُ
يَرُومُونَ قَطْعَ الوُدِّ بَيْنِي وَبَيْنَهَا
وَيَزْرَعُ كُلُّ الواشِينَ لَنَا الْحَنْظَلُ
يَرُدُّونَنِي عَنْ دَرْبِهَا وَهْوَ مَعْهَدٌ
وَيَحْفِرُ فِي وَجْهِ الطَّرِيقِ لَنَا المَعْضَلُ
وَيَسْعَوْنَ بِالقَوْلِ الخَبِيثِ وَإِنَّمَا
إِذَا سَعَى الواشِي إِلَى الشَّرِّ يَجْهَلُ
لَعَمْرِي مَا يَهْنَأْ وِشَايَةُ مُفْسِدٍ
إِذَا فَرَّقَتْ بَيْنَ المُحِبِّ وَمَنْ يَعْدِلُ
لَعَمْرِي لَيُسْقَى مِنْ غِيَاظٍ أَذَقْتَنَا
وَلَوْ طَالَ مَكْثُ الواشِينَ وَاسْتَطَالُوا
فَمِنْ بَعْدِهِمْ ضَاقَ المَكَانُ بِأَهْلِهِ
وَصَارَتْ خُطَانَا فِي المَوَاضِعِ تَخْتِلُ
وَأَضْحَتْ لَنَا النَّظْرَاتُ خَطْفًا كَأَنَّهَا
مِنَ الخَوْفِ فِي أَجْفَانِنَا تَتَزَلْزَلُ
وَأَمْسَى لِثَامُ اللَّيْلِ لَا يَسْتُرُ المَنَى
إِذَا حَامَ حَوْلَ الخِبْيَةِ العُذَّلُ
وَكُلَّمَا هَبَّتْ جَنُوبٌ ظَنَنْتُهَا
أَتَتْنِي وَمَا تَأْتِي الجَنُوبُ إِلَّا رُسُلُ
فَكَاتَمْتُ مَا بِي ثُمَّ أَعْوَزَنِي الأَسَى
فَلَا أَنَا أَقْوَى عَلَى الكَتْمِ لَا أُجْمِلُ
وَأُلْبِسُ وَجْهِي مِنْ جَلَادِيَ بُرْدَةً
وَتَحْتَ رِدَاءِ الصَّبْرِ جَمْرٌ مُؤَكَّلُ
أَجُرُّ عَلَى نَفْسِي النَّهَارَ تَجَلُّدًا
وَعِنْدَ الدُّجَى وَجْدِي عَلَيَّ يُبَلْبِلُ
إِذَا هَدَأَتْ أَصْوَاتُ مَنْ حَوْلَ مَضْرَبِي
تَمَكَّنَ مِنِّي مَا أُوَارِي وَأُخْمِلُ
وَأَسْهَرُ حَتَّى يَحْسَبَ النَّجْمُ أَنَّنِي
لَهُ جَلِيسٌ وَالسُّهَادُ بِيَ الأَوَّلُ
وَمَا خَرِبَتْ تِلْكَ الرُّبَى عَنْ تَقَادُمٍ
وَلَكِنَّ صَدْرِي بَعْدَهَا هُوَ أَجْدَلُ
بِهِ طَلَلٌ حَيٌّ وَفِيهِ مِنَ الأَسَى
رُسُومٌ إِذَا هَبَّتْ صَبًى لَا تَزَايَلُ