دَعْنِي وَشَأْنِي رَهِينَ الهَمِّ وَالنَّكَدِ
مَا أَوَّلُ الصَّفْوِ إِلَّا آخِرُ الكَمَدِ
أَشْكُو إِلَى اللهِ قَلْبًا لَا يُطَاوِعُنِي
وَأَسْتَجِيرُ بِهِ مِنْ لَوْعَةِ الكَبِدِ
يَا غَارِسَ اليَأْسِ فِي رَوْضِ المُنَى سَفَهًا
هَلْ يُجْنَى مِنْ عَوْسَجٍ نَوْرٌ لِمُعْتَقِدِ؟
تَمْضِي اللَّيَالِي وَفِي طَيَّاتِهَا غُصَصٌ
تَفْرِي الحَشَا بَيْنَ مَوْجُودٍ وَمَفْتَقِدِ
أَمْسَيْتُ أَنْشُدُ فِي الآفَاقِ لِي سَكَنًا
وَمَا وَجَدْتُ سِوَى ظِلِّي بِلَا سَنَدِ
يَا نَفْسُ صَبْرًا فَمَا فِي الدَّهْرِ مِنْ ثِقَةٍ
وَمَا لَدَى الخَلْقِ مَنْجَاةٌ لِمُضْطَهَدِ
لَا تَعْجَبِي إِنْ رَأَيْتِ الدَّمْعَ مُنْحَدِرًا
فَالسَّيْلُ يَنْطِقُ عَنْ هَمِّ السَّمَا الجَلَدِ
أَنَا ابْنُ بَدْرٍ وَكَيْفَ الهَمُّ يَسْكُنُنِي
وَالفَجْرُ يَبْزُغُ مِنْ عَزْمِي وَمِنْ صَفَدِي؟
أَيَشْتَكِي الضِّيقَ مَنْ فِي نَبْعِهِ شَمَمٌ
وَمَنْ سَنَا جَدِّهِ يَسْرِي إِلَى الأَبَدِ؟
أَنَا الَّذِي إِنْ رَمَى الدَّهْرُ نَوَازِلَهُ
لَقِيتُهَا بِجَبِينٍ غَيْرِ مُرْتَعِدِ
سَلِ الصَّوَارِمَ عَنْ كَفِّي وَعَنْ سِيَمِي
تُنْبِيكَ أَنِّي مَلَاذُ الخَائِفِ الصَّفِدِ
مَا كُلُّ بَرْقٍ تَرَاهُ جَاءَ بِالمَطَرِ
وَلَا كُلُّ نَارٍ تُضِيءُ الدَّرْبَ لِلرَّشَدِ
يَا نَفْسُ كُفِّي، فَمَا فِي العَيْشِ مِنْ رَغَدِ
وَالمَوْتُ فِيهِ شِفَاءُ الرُّوحِ وَالجَسَدِ
أَيْنَ الهُرُوبُ وَهَذَا القَيْدُ يَخْنُقُنِي
وَالهَمُّ يَحْفِرُ مَجْرَاهُ عَلَى كَبِدِي
تَعِبْتُ مِنْ صَخَبِ الأَيَّامِ، يَا مَوتُ خُذْ
كَفِّي، وَضَعْنِي بِبَيْتٍ مِلْؤُهُ سَنَدِي
فِي لُجَّةِ القَبْرِ صَمْتٌ لا حَراكَ بِهِ
وَلا نِزَاعٌ عَلَى حَظٍّ وَلا حَسَدِ
هُنَاكَ أَلْقَى رِدَاءَ الحُزْنِ عَنْ كَتِفِي
وَأَسْتَرِيحُ مِنَ التَّرْحَالِ وَالنَّكَدِ
كُلُّ الدُّرُوبِ إِلَى الأَوْجَاعِ آيِلَةٌ
إِلا الرَّحِيلَ إِلَى جَدَثٍ بِلَا أَمَدِ
مَا أَجْمَلَ الرَّاحَةَ الكُبْرَى إِذَا نَزَلَتْ
تُرْخِي السُّتُورَ عَلَى عُمْرٍ مِنَ الصَّفَدِ
دَعْ عَنْكَ دُنْيَا هَبَاءٌ كُلُّ مَا صَنَعَتْ
وَاطْلُبْ خَلاصاً يَدُومُ لِآخِرِ الأَبَدِ
فَمَا الحَيَاةُ سِوَى سِجْنٍ نُكابِدُهُ
وَما المَمَاتُ سِوَى إِطْلَاقِ ذِي صَفَدِ
نَسْعَى وَنَرْكُضُ وَالآجَالُ تَرْصُدُنَا
كَأَنَّمَا الرَّكْضُ مَكْتُوبٌ عَلَى الطَّرَدِ
يَا رَاحَةَ المَوْتِ زُورِي غُصَّتِي فَلَقَدْ
سَئِمْتُ عَيْشاً بِمُرِّ الضِّيقِ مُتَّحِدِ
أَلْقِي السَّكِينَةَ فِي رُوحٍ مُهَشَّمَةٍ
تَبْغِي المَلاذَ مِنَ الأَحْزَانِ وَالرَّعَدِ
لا الفَجْرُ يَحْمِلُ لِي شَمْساً أُؤَمِّلُهَا
وَلا النُّجُومُ تُنِيرُ الدَّرْبَ لِلرَّشَدِ
إِنَّ السُّكُونَ الَّذِي فِي اللَّحْدِ نَعْرِفُهُ
أَسْمَى مِنَ العُمْرِ بَيْنَ الأَهْلِ وَالوَلَدِ
مَا ذَابَ قَلْبِي عَلَى دُنْيَا أُفَارِقُهَا
بَلْ ذَابَ شَوْقاً لِبَرْدِ التُّرْبِ فِي الصَّمَدِ
خُذْنِي بَعِيداً عَنِ الأَصْوَاتِ أَجْمَعِهَا
فَالصَّمْتُ أَبْلَغُ مِنْ جَهْرٍ وَمِنْ فَنَدِ
طَابَ الرَّحِيلُ وَطَابَ النَّزْعُ فِي نَظَرِي
مَا دَامَ يَقْطَعُ حَبْلَ الهَمِّ وَالسَّهَدِ
لَا تَبْكِ نَفْسِي إِذَا مَا حَانَ مَصْرَعُهَا
فَالقَبْرُ أَرْحَمُ مِنْ أَهْلٍ وَمِن بَلَدِ
مَاذَا جَنَيْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا
غَيْرَ النَّحِيبِ وَغَيْرَ الخَوْفِ وَالرَّعَدِ؟
أَسْلَمْتُ رُوحِي لِحِضْنِ التُّرْبِ مَنْتَشِياً
مِثْلَ الرَّضِيعِ غَفَا فِي مَهْدِهِ الغَرِدِ
يَا طِيبَ لَحْدٍ يَضُمُّ الرَّأْسَ فِي دَعَةٍ
يَمْحُو الضَّجِيجَ وَيَبْنِي حَائِطَ الجَلَدِ
مَا المَوْتُ إِلا انْتِهَاءٌ لِلْعَنَاءِ، فَمَا
بَعْدَ المَمَاتِ شَقَاءٌ حَلَّ بِالخَلَدِ
فَلْيَهْدَإِ النَّبْضُ، هَذَا الوَقْتُ طَلْبَتُنَا
أَنْ يَنْطَفِي الوَجْدُ فِينَا آخِرَ الأَبَدِ
أَبْلِغْ مَنِ اشْتَاقَ أَنَّ المَوْتَ جَنَّتُنَا
فِيهِ السَّلَامُ بِلَا مَنٍّ وَلَا نَكَدِ
تَمَّ الخَلَاصُ، وَمَاتَ الحُزْنُ فُورَ نَوَى
وَانْهَدَّ بَيْتُ الأَسَى فِي سَاعَةِ الرَّصَدِ
إِنَِّي وَجَدْتُ بِقَعْرِ المَوْتِ بَلْسَمَنَا
فَاغْمِضْ جُفُونَكَ، تَنْجُ اليَوْمَ مِنْ صَفَدِ
هَذِي أَمَانِيَّ فِي مَوْتٍ أَلُوذُ بِهِ
لَكِنَّمَا الأَمْرُ مَوْقُوفٌ عَلَى الصَّمَدِ
فَالخَيْرُ فِيمَا اخْتَارَ مَوْلَانَا وَقَدَّرَهُ
لَا فِيمَا يَرُومُ فُؤَادِي أَوْ تَخُطُّ يَدِي
أَسْلَمْتُ نَفْسِي لِمَنْ أَعْطَى وَمَنْ سَلَبَا
فَهُوَ العَلِيمُ بِمَا نَخْفِي مِنَ الكَمَدِ
إِنْ كَانَ لِي فِي بَقَاءِ العُمْرِ مَصْلَحَةٌ
فَصَبْرُ قَلْبِي عَلَى الأَقْدَارِ مُعْتَمَدِي
حَسْبِي الرِّضَا بِقَضَاءٍ لَسْتُ أَعْرِفُهُ
فَالخَيْرُ عِنْدَ الَّذِي يُحْيِي بِلَا أَمَدِ