على شاطئ البحرِ فوق الرمالْ
تَفرّدتُ والليلُ قد خيّما
وقد ظهر البدرُ بين الجبال
يُنير من الكون ما أظلما
فألقى أشعّتَه في الوهادْ
وذعذعها فوق هامِ الرُّبا
وأبدى البساتينَ حول البلاد
يلوح بها النبتُ مُعشوشبا
وأطلع بالنور في كلّ واد
أناخَ بأمواهه كوكبا
وأنبتَ في البحر مثلَ اللآلْ
فكانت تلوح كنارٍ بما
تباركَ خَلاّقُه ذو الجلال
فكم له من آيةٍ في السَّما
وكان النسيمُ يمرّ عليلا
فيُوقظ في الروض جفنَ الزَّهَرْ
وينشر عَرْفاً ذكيّاً بليلا
عليه من الطلّ يبدو أثر
ولم أكُ أُبصر حولي خليلا
يُبين الصفاءَ ويُخفي الكدر
فطابَ بهذا المكانِ اعتزالي
وإن كنتُ أستنطق الأبكما
وسُرَّ فؤادي بهذا الجمالِ
وأصبح قلبي به مُغرَما
جلستُ وقد هجعَ الناسُ طُرّا
وساد السكونُ بذاك الفضا
أسائل نفسي أندرك فخرا
ونبلغ مبلغَ من قد مضى
لقد ساءتِ الحالُ والعمرُ مرّا
ولم نعتبرْ بصروف القضا
أليس لنا في العصور الخوالي
مقامٌ رفيعٌ ومجدٌ سما
فما لي أراكمُ يا قومُ ما لي
تنكّبتُمُ المنهجَ الأقوما
أتونسُ ما لبنيكِ رقودْ
بعصرٍ تَيقّظَ فيه الزنوجْ
فليستْ لهم في الحياة جهود
وليس لهم في المعالي عُروج
كأنّهمُ في الزمان نُقود
علاها الصدا فأبتْ أن تروج
أيرقى سواهم وهم في انخذالْ
ويُروى بماك وهم في ظما
ويحظى بتحصيل علمٍ ومالْ
وقد بات مُعظمُهم مُعدِما
ألا إن هذي الحياةَ جهادْ
يُداس بميدانه ذو الكسلْ
إذا لم يكن لكَ فيها اجتهادْ
فما لكَ في خيرها من أمل
فما نهضتْ قطُّ فيها بلادْ
وكان النهوضُ بغير العملْ
ألا يقظةٌ فصروفُ الليالي
أقامت بأرجائنا مَأتما
ألا هبّةٌ نحو صرحِ المعالي
تكون العلومُ لها سُلَّما