بَعُدوا؟ ما أراهمُ بعدوا
بل همُ بالممات قد وُلِدوا
فتيةٌ الخلودُ هَمُّهُمُ
سهروا والبُغَاثُ قد رقدوا!
أنجمٌ قد زها بها بلدي
خالدٌ في ضيائها البلد!
يا أصيحابي الذين مَضَوْا
أين ولّى زماننا الرغِد؟
حيث كنا نحيا الحياة هَوًى
ودماءُ الشباب تَتَّقد!
لا تلمني إذا أنستُ بهم
فهمُ سلوةٌ لمن جحدوا!
لا تقولوا قد مات من بقيتْ
تتجلَّى آثاره الجُدد!
فهْوَ حيٌّ في كل رائعةٍ
وهو شعرٌ منغَّم غَرِد
ولنا من حديثه فِتَنٌ
ولنا من فنونه مَدَد!
أين منّا مثقَّفٌ أَرِبٌ
هائمٌ، للعلوم محتشد
زاهدٌ، لم يُغْرِه نَشَبٌ
يُقْتَنَى، أو يشدُّه ولد!
ساهرٌ، والسماء كوكبُها
مُدبرٌ والأنام قد هَمَدوا
ذاهلٌ منصتٌ لجمجمةٍ
ينتشي مِن حديثها الأبد!
المعاني معشوقُهُ، ولها
واجدًا عاش، ثم لا يجد!
عُجِنتْ بالخلود طينتُه
فهو ممَّن بين الوَرى سعدوا!
هام بالعلم، راح يجمعه
فهْو كنزٌ لفتيةٍ زهدوا!
لا تلمْه، فإنه زمنٌ
حظُّ أعلامنا به نَكَد!
جُمِعَ الباحثون في رجلٍ
مفرَدٍ، لا يُخيفه عدد!
جَحْفلٍ في العلوم، مُطَّلعٍ
خيرُ من حققوا ومن نقدوا!
طالِبَ المجد إنه أسَدٌ
فتمهَّلْ، لا يغضبِ الأسد!
وترجَّلْ، وطُفْ بساحته
وتأدَّبْ، فقومُنا فسدوا!
فهْو من فتيةٍ أولي ثقةٍ
صَدَقوا في الكفاح ما وعدوا
نصروا الله في بيانهمُ
ومضَوْا عاجلاً وما حَصَدوا
بعدوا؟ ما أراهمُ بعدوا!
بل بُغاثٌ من بيننا بعدوا!
يمكث الخيرُ في البلاد فلا
يتلاشَى، ويذهب الزّبد!
أيها الموتُ، لا تقل رقدوا
إنهم للسّماء قد صعدوا!
يملأ الكونَ طيبُهم أرجًا
فسَما الروحُ إذ هوَى الجسد
بعدوا؟ ما أراهمُ بعدوا
بل همُ بالممات قد ولدوا
يا عذارَى القريض، لا شَجَنٌ
بل أفانينُ بهجةٍ وَدَد!!
فهْوَ مَيْتٌ تحيا به أممٌ
وهْوَ حيٌّ يُزْهَى به الأبد!