تخطَّ إلى المحتوى

فتى المهاجر للعلياء من بعدا

غير معروف

٦٢ بيت

المتفرقات

فتى المهاجر للعلياء من بعُدا

وللتبرُّك بالأقداس مَن وفدا

اثنانِ في طلبٍ ناءٍ ومغتربٌ

نسرٌ لأفقٍ ونسرٌ في الحمى سجدا

أبناءُ لبنانَ يا أحلامَنا انطلقي

فكم لواءٍ لهم في أرضِنا انعقدا

الذاهبون وفي الأجفان محرقةٌ

العائدون وشوقُ العين ما هجدا

دنيا بنَوْها على الكونينِ عاليةً

فضجَّ بالمشتهى في العالمين صدى

وكلما شاقنا حادٍ على شفقٍ

كانت مزاميره الآزالَ والأبدا

يا صادحينَ على الأدواح إنَّ لنا

في كلّ دوحٍ هنا صدَّاحَه الغَرِدا

مع الصباح يجيء المدُّ ممتلئًا

بالوعدِ منكم ومخمورًا بما وعدا

ويرجعُ الجمرُ بالأشواق لاهبةً

يجري الدعاءُ على الأمواج متَّقدا

فالبحرُ بين عبيقٍ من مطارحكم

وبين لبنانَ وصلٌ يجمع البَددا

شأنٌ لكم ولنا في زهوِ عالمنا

نمشي وتمشون للجلّى يدًا ويدا

هذي «جبيلٌ» على الأيام جاثمةٌ

قلاعُ ماضٍ بدتْ تستنبت الجَدَدا

يبني الغدُ الشهمُ في أرجائها قِببًا

ويأخذ الأمسُ من شطآنها الوُسدا

كأنها وجنونُ الموج يضربُها

في الشطِّ ترسٌ وفي حلم الشراع هدى

سربُ النُّسور حواليها فلا تقفوا

من هائجٍ حنقًا أو سابحٍ رغدا

لقد حلفْنا لها ألاّ نفارقَها

في المجدِ ما لم يجاوزْ مجدها الخَلَدا

إرثُ الجدودِ حميناه بأنفسنا

ليسلمَ الإرث فينا أو يهونَ ردى

فتى مهاجرِنا هل نازفٌ أبدًا

هذا الفؤادُ؟! يعاني النزف مطّردا

كيف السبيلُ إلى إخفاء لوعتهِ

لعلَّه مثلُ قلبي بات مضطهدا

ما ضمَّه منزلٌ أو عزَّهُ نَسبٌ

مشرَّدٌ يجتلي أبياتَه الشُّرُدا

يمناك شدَّتْ على صدرٍ تسائلهُ

أن يُبرئ الجرحَ أوأن يعصرَ الكبدا

حمَّلتَ قلبك أشواقًا تكابدها

فكان وجدُك إيمانًا ومعتقدا

ما قيمةُ المال في دنيا يخلّدها

بيتٌ من الشعرِ يلقى اللهَ إن شهدا

أمّا الوداعةُ في كِبْرٍ فلا عجبٌ

قد يعرف النسرُ حدّاً في العلا ومدى

ولا غرابةَ في الآساد إن عُزِلت

فسيِّدُ الغاب يرعى الغابَ منفردا

وإن صددت الندى عن هامةٍ شمختْ

فالسيلُ حَرْبٌ لمن يلقى الدنا صُعُدا

شاركتُكَ الألمَ المئنافَ لا جزعًا

من الجهادِ ولكن خافقي همدا

هذا المعنَّفُ شوقًا في عبادتهِ

لولا الإلهُ ولولا الأرزُ ما عبدا

أوهمْته أنّه ما زال ملتهبًا

فلم أردَّ على المفجوع ما فقدا

لم يهجعِ الداءُ يومًا في تسهُّدِه

حتى لأفجعَ في سهدٍ إذا رقدا

ألقمتُ جوعَ الحمى من أضلعي مِزقًا

وفي الكؤوس سكبتُ الرَّاح والشّهدا

فلم يُصبْني منَ الدنيا سوى حسدٍ

فرحتُ أُوسع حبّاً كلَّ من حسدا

لاقيت حقدًا من الأهلين أعشقُهم

فقمتُ أمحض ودّاً كلَّ من حقدا

لا ضيرَ إن قطع الحصَّاد سنبلَهُ

ومنه للَّيلة الظلماء ما حشدا

سنابلُ العيشِ يكفيها وقد حُصِدَتْ

أن تلثمَ المنجلَ العاتي الذي حصدا

لا تعذلِ الدهرَ إن نابتك نائبةٌ

بقدر عزِّ المنى تستوهب الجَلَدا

وإن تجمَّدَ فيك اللّحنُ لا حرجٌ

قد يثلجُ الماء حرَّ الصدر إن جَمُدا

لا تسأليني عن الأحلامِ يا كبدي

فالوردُ صادٍ إذا ما ظامئٌ وردا

وحدي أسير بأيامي أعلِّلها

بزادها المرتجى والزادُ قد نفدا

صرفتُ في الوهم عمري فالظنونُ تُرى

عبر السراب ضلالاً يبتغي الجَدَدا

جُنَّ اليراعُ بما لاقاه من ألمٍ

وظلَّ في زحمة الآلام منجردا

مسحتُ عنه بكفّي أدمعي ودمي

يا للجراحِ يعانيها الذي ضمدا

يا حاملَ الأرز في لوعات غربتهِ

قد عدت بالأرز جذلانًا ومُبتردا

إن قطَّر الشعرُ في الأجفان بلسمه

فإنما الشّعر للجفن القريح ندى

جاراتُنا الأنجمُ الزهراء ما خفتت

إلا غزلنا عليها البارقَ الفردا

كأنها زرعُ أيدٍ أينما نُثِرت

ذرّت على الرَّحب من أطرافها المددا

هل ذاكرٌ للصِّبا عهدًا وضاحيةً

يومُ الحياة منًى والحظُّ ما نكدا

تطارد الحسن في عذراءَ مجفلةٍ

والصدرُ من كاعبٍ في جفلةٍ نهدا

إنّا لقومٌ من الأكوان ما ظفروا

إلا بلاهبةٍ ما استنفدت أودا

عاشت على الحبِّ أيامًا بلا عددٍ

فلا ارتوى ظامئٌ فيها ولا خمدا

نعطي الشموسَ مواليدًا مجنَّحةً

والشعرَ أن يعتلي الدنيا وأن يلدا

ما شأنُ كونٍ بلا شعرٍ ولا نغمٍ

كالغصن لا عطرَ يغنيهِ ولا بلدا

هل ذاكرٌ أبحرًا خضتم مجاهلَها

تفجّرون عليها الهول والزبدا

هجرتمُ البلدَ الباني ولا ضَيَرٌ

في كلِّ صقعٍ بنيتم للحمى بلدا

تشتَّت القومُ في الدنيا فجمَّعهم

مجدٌ لنا أطلق الأشبال والأُسُدا

سيّان في نظر الأحداث يوم علاً

من يحرس الأرزَ أو من يقحم البُعُدا

أعلى الجدودُ ربا لبنانَ من قدمٍ

وفي غدٍ سوف نعلي أو نموت غدا

من جاور الشمسَ في شعرٍ وفي جبلٍ

لن يألفَ السفحَ أو يستوطنَ النُّجُدا

منابتَ الأرز يا أقداسَ حرمتنا

في منتهاك لمحنا الواحد الصمدا

قبَّلتُ منك الثَّرى والنارُ في شفتي

ورحتُ أمسحُ عن نيرانيَ البردا

إنا على الدهر لم نمددْ يدًا لندًى

هيهات إلاّ لربٍّ أن نمدَّ يدا

لبنانُ حسبُك ما أهديت من رُسلٍ

شدُّوا إلى الشمس من أصلادنا العُمُدا