يَا سَائِلَ الدَّارِ هَل مِن عَودِهِمْ أَمَلُ
هَوِّن عَلَيكَ فَلَا يُنْصِبْكَ مَا تَسَلُ
يُنْبِيكَ عَنهَا غُرَابُ الشُّؤْمِ بَلْقَعَةً
وَعثَاءَ قَفْرًا تَنَحَّى وَصلَهَا الرَّسَلُ
أَقْوَى الرَّوَامِسُ فِيهَا الرَّسمَ وَارتَحَلَتْ
بِيضُ الحَمَائِمِ وَاستَشْرَى بِهَا الوَجَلُ
شَطَّ المَزَارُ وَأَخْفَى إِثْرَهُ عَصِفٌ
أَرَجَ الصَّبَابَةِ أَبْلَى صَرصَرٌ وَحِلُ
بَادُوا كَأَنَّ رِيَاحَ البَيْنِ خَلفَهُمُ
خَنسَاءُ نَادِبَةً أَوْنَى بِهَا الثَّكَلُ
بِئسَ الدِّيَارُ دِيَارٌ بَعدَ بَهجَتِهَا
وَبِئْسَ صَبٌّ بَرَاهُ الشَّوقُ وَالخَبَلُ
يَا دَارَ بَثنَةَ كُنتِ الأَمسِ آنِسَةً
شَمَّاءَ رَاسِيَةً تَغْنَى بِكِ السُّبُلُ
عُلِّقتُهَا عَرَضًا غَرَّاءَ جَارِيَةً
كَدُرَّةِ اللُّجِّ ضَنَّت دُونَهَا الحِيَلُ
غَيدَاءُ فَرْعَاءُ إِذ هَفَّ الصَّبَا خُصَلًا
سُودًا تَضَوَّعَ مِنهَا نَشْرُهَا شَمِلُ
لَمْيَاءُ تَبْسِمُ عَن دُرٍّ يُمَازِجُهُ
حُرُّ المُدَامَةِ وَالسَّلْسَالُ وَالعَسَلُ
أَدْمَاءُ عَنقَاءُ مَصْقُولٌ تَرَائِبُهَا
غَرْثَى الوِشَاحِ وَدونَ النَّاظِرِ الذُّبُلُ
يَا لَيتَ بَثنَةَ بَعدَ البَيْنِ إِذ رَحَلُوا
فَكَّتْ وَثَاقِيَ عَلَّ القَلبَ يَفْتَعِلُ
إِنِّي لَأَجْهَدُ فِي نِسيَانِكُم عَبَثًا
كَنَاضِحِ المَاءَ بِالغِرْبَالِ يَحْتَمِلُ
قَرَّتْ بُثَيْنَةُ طُولَ الدَّهْرِ آمِنَةً
لَهَا الحُبُورُ وَلِي الأَذْكَارُ وَالزَّجَلُ
فَلَا عَدِمْتِ نَعِيمَ العَيشِ بَارِدَهُ
مَا بَاتَ عَبْدٌ يُنَاجِي اللَّهَ يَبْتَهِلُ
نِعْمَ النَّدِيمُ وَمَا خَلَّيْتِ يُؤْنِسُنِي
فِي كُلِّ ذِكْرٍ إِذَا أَدْعُوهُ يَعْتَمِلُ
أُسِرُّ حُزْنِيَ بَيْنَ النَّاسِ أَكْتُمُهُ
فَالنُّصْحُ إِفْكٌ عَلَى أَفوَاهِهِم عَذَلُ
يَا سَائِلَ الدَّارِ بُرْءًا لَستَ نَائِلَهُ
أَعْيَا النِّدَاءُ وَمَا تَبْرَى بِكَ العِلَلُ
كَفْكِفْ دُمُوعَكَ لَا تُغْنِيكَ مَا هَطَلَتْ
وَلَيسَ يَنْفَعُكَ الإِسْرَافُ وَالبَخَلُ
وَلَيسَ تُغْنِي دُمُوعٌ بِتَّ تَسْفَحُهَا
وَغَثُّ جِسْمِكَ إِذ سَارُوا وَقَد أَفَلُوا
أَصَاحِ مَهلَكَ مَا لِلنَّفسِ مِن حِيَلٍ
تَبْلَى النُّفُوسُ بِمَا نِيطَتْ فَمَا تَئِلُ
أَيْنَ التَّمَنِّي لِذِي خَفْضٍ وَذِي سَعَةٍ
إِذَا أَشَارَ يُصَفِّي مَاءَهُ الطَّحِلُ
إِنَّ التَّمَنِّي لِهَيْمَانٍ ذَوَى عَطَشًا
فِي قُرْبِ عَذْبٍ حَمَتْهُ البِيضُ والأَسَلُ
كَلَاهِبٍ عَلِهٍ تَحْمِي مَوَارِدَهُ
جَرْدَاءُ مُجْرِيَةٌ فِي نِيبِهَا العَطَلُ
ثَنَّى لَهُ العَزْمُ سَهْمًا لَيسَ يُخْطِئُهُ
فِي كُربَتَيْنِ وَفِي أَحْلَاهُمَا الأَجَلُ
يَرْجُو فَيَغْدُو عَلَى ظِمْئٍ يُحَاوِلُهَا
أَحْنَاؤُهُ كَضِرَامِ النَّارِ تَشْتَعِلُ
وَاهٍ إِذَا مَا رَنَى لِلمَاءِ فِي لَهَفٍ
سَرَّى عَلَيهِ صَفَاءُ المَاءِ وَالأَمَلُ
غَدَى سَقِيمًا وَمَا يَألُو بِمُعْتَرَكٍ
يَقْفُو مَشَارِبَ صَرْعَى هَمُّهُمْ وَشَلُ
حَتَّى إِذَا اللَّيْلُ مَا قُدَّتْ جَوَانِبُهُ
فِي نُجْعَةٍ حَصِرٍ أَمْوَاهُهَا جَلَلُ
رَمَى بِصَادِقَةٍ كَالنَّصْلِ وَاجِسَةٍ
تُبْدِي الغُيُوبَ وَمَن يَسمَعْ فَقَد يَخَلُ
مَضَى يُنَاوِرُ رِقْبَ الحَيْنِ مُعْتَلِجًا
أَنَّ المَنِيَّةَ إِنْ تَقطَعْ بِهَا تَصِلُ
نَمَى فَجَدَّ فَعَلَّ المَاءَ فِي حَذَرٍ
وَغَذَّ تَسبِقُ أُخْرَاهُ بِهِ الأَوَلُ
أَبلِغْ هُدِيتَ بَنِي أُمِّي مُغَلْغَلَةً
لَا يَجْتَنِي المَجْدَ إِلَّا الحَازِمُ البَطَلُ
لَوْلَا التَّمَنِّي لَمَا ثَارَتْ عَزَائِمُنَا
إِنَّا لَتَصْدُقُ فِيمَا نَبْتَغِي المُثُلُ
كَمْ قَامَ دَهرٌ عَلَى مَأثُورَةٍ خَلَقٍ
وَالدَّهرُ مُنْقَلِبٌ أَيَّامُهُ دُوَلُ