تخطَّ إلى المحتوى

يظهر الراوي يحمل كتابا عليه عنوان صفحات من التاريخ يفتحه ويقرأ

غير معروف

٢٤١ بيت

المتفرقات

يظهر الرّاوي يحمل كتابا عليه عنوان صفحات من التّاريخ يفتحه ويقرأ

في صباح اليوم الخامس والعشرين من جوان عام 1830 وصلت الجيوش الفرنسيّة إلى شاطئ (سيدي فرج) بالجزائر العاصمة،

قصد احتلال الأراضي الجزائريّة،بعد محاولات حثيثة استمات من خلالها السّكّان في صدّ القوّات الفرنسيّة المجهّزة بالسّلاح

والعتاد الحربيّ المتطوّر، لكنّ السكّان وبعد تضحيات جسام عجزوا عن صدّ هذه القوّات..

المشهد الأوّل

• وسط أصوات المدافع والبنادق،يظهر من بعيد قائد فرنسيّ

ينزل من زورقه الحربيّ يشير بأصابعه إلى جهة الأراضي الجزائريّة،ينادي بأعلى صوته في جنوده

يحثّهم على الإسراع في تحقيق ما جاءوا من أجله:

إلى هَذه الأرْضِ هبُّوا سراعًا

وسيروا إلى قَلْبِها واسْكُنُوهُ

• يشير بأصبعه إلى مرتفع قريب:

أقيموا هُناكَ مُعَسْكَرَكُمْ

ودوسُوا ثراها لتسْتَعْمروهُ

فرنْسا تناشدُكمْ فاسْمَعُوا

وَمَنْ هبَّ يَمْنَعُكُمْ فاقْتُلوهُ

لَكُمْ أنْ تَعِيشُوا هُنا سادَةً

وما تجدوا هِبَةُ فامْلِكوهُ

يعيشُ هُنا الشّعْبُ في رَغدَةٍ

سَيَخْدُمُكُمْ مُذْعِنًا فأْمُروهُ

إذا ما ارْتضى حُكْمَكُمْ فاهْنَأوا

وإنْ ثارَ أوْ إنْ أبى سَيَتُوهُ

يذوقُ أشدَّ الْعذابِ ولنْ

تُقومَ لهُ في الْحياةِ وُجُوهُ

• يقبض على يديه بقوّة:

سنغْتصِبُ الأرْضَ مِنْ حُضْنهِ

ويَخْدُمُها راضيًا لا يَفُوهُ

ونقْهَرُهُ كالْعبيدِ ولنْ يُطيقَ... وإنّا لَمُحتقِروهُ

• ما إنْ ينهي القائدُ كلامَهُ حتّى تزداد حماسة الجنود المدجّجين بالسّلاح،

وفي التوّ تطأُ أرجلهم الأرض وينزلون من زوارقهم ويندفعون كالكلاب المسعورة ولسان حالهم

• كوكبة أولى من الجنود بصوت واحد:

كُلُّنا يفْدي فرنْسا

ما سِواها نَحْنُ نَنْسى

نتحَدَّى مَنْ تُعادي

بأذاها نتَأسّى

نفْتدي الأمَّ بأرْوَاحٍ لنا جَهْرًا وهَمْسا

حيْثُما سِرْنا بَطشْنا

وغَرَسْنا الرُّعْبَ غَرْسا

وملأنا الرّحْبَ ذُعْرًا

يُوسِعُ السّكَّانَ قَرْسا

• كوكبة ثانية بصوت واحد:

لا نُبالي لَوْ قَتَلْنا

أوْ سجى النُّورُ وأمْسى

هِيَ أُمٌّ أرْضَعتْنا

غِلْظةً مِنْها وبأْسا

سترى ما ترْتجيهِ

ونقيمُ الْغدَ عُرْسا

• يظهرُ القائد رضاه عن كلام جنوده، يصفّق بخفّة يتقدّم

خطوتين، ثمّ يخاطب الجنود بصوت فيه حزم وشدّة:

عِشْتُمْ جنودي عيشَةَ الآسادِ

فتقدّموا وابْقُوا على اسْتِعدادِ

هُدُّوا الْمساجدَ واقْتُلُوا رُوّادَها

فالشّرُّ(كُلَّ الشّرِّ) في الرّوّادِ

هُدّوا المساجدَ وانْخُروا أسْوارَها

وابْنوا الْكنائسَ في رُبى الأْطوادِ

دُكّوا الْمدارسَ والزّوايا واهْدِموا

بِمعاولِ التّبْشيرِ والإلْحادِ

وارْموا المصاحفَ في المزابلِ

أحرقوها، واجعلوها ذَرَّةً لِرَمَادِ

ولْتشْرعوا في الْهدْمِ لا تتَرَيَّثوا

عيثوا فسادًا بَعدَ كُلِّ فسادِ

• يجول ببصره فيرى مئذنةً من بعيد، يشير بأصابعه إليها ويستطرد

تلْكَ المآذنُ مَنْ يضئُ قُلُوبَهُمْ

ويبُثُّ فيها نفْخةَ الأمجَادِ

هدّوا المآذنَ وانقشوا جُدُراَنها

بيدِ الصّليبِ كرغْبَةِ الأجدادِ

ثُمَّ امْنعوا التّعليمَ في ساحاتِها

حتّى تخُورَ حماسَةُ الأفرادِ

لا ترْحموا شيْخًا ولا امْرَأَةً ولا

طفْلاً فكُلُّهُمُ مِنَ الأوْغادِ

فرقة أولى من الجنود بصوت مرتفع واحد:

بالنَّارِ نحرِقُ كُلَّ نورٍ بازغٍ

فرقة ثانية بالْخوْفِ

نخْنقُ كُلَّ قلْبٍ شادِ

يكمل القائد

دُسّوا الْجماجِمَ في التّرابِ وحاصروا

حُبَّ الْجزائرِ في حشا الأكبادِ

وتسَوَّرُوا مِحْرابَ كُلَّ مدينةٍ

وتأكّدوا مِنْ مَوْتَةِ الأَشهادِ

فلَرُبَّما يحْيا هُنا أمْواتُهُمْ

إنْ يسْمَعُوا الداعي لخوضِ لِجِهادِ!

هيَّا اشْرَعوا حتّى تُسَرَّ بِلادُكُمْ

وتُبارِكَ الأرْواحَ كالأجْسادِ

فارْضوا فرنْسا واقْهَروا أعداءَها

حتّى تقيمَ مَوَاسمَ الأعيادِ

وخذوا الْمزارعَ عُنْوَةً مِنْ أهْلِها

واسْتَعْبِدوا الأبناءَ كالأحْفادِ

ترْضى فرنْسا عنْ صنائِعِكُمْ إذا

كُنْتُمْ أشدَّ الْخَلْقِ في الإفْسادِ

اعْلُوا الصّليبَ على المباني والرُّبى

وارْموا الْهلالَ على ضفافِ الوادي

هيّا إلى ساحِ الوغى لاَ تحْجِمُوا

يردّد بصوت خافت: فاليَوْمَ يَوْمُ الثّاْرِ والأحقادِ

• يردّ الجنود بصوت واحد،وهم يرفعون بنادقهم إلى صدورهم:

سَنَفْعلُ ما أَمَرْتَ بهِ

ونَغرِسُ في الثّرى الْمَوْتا

ونَخْنِقُ كُلَّ ذي نَفَسٍ

ونطوي الْحسَّ والصّوْتا

ونَرْفعُ ها هُنا عَلَمًا

فرنْسِيًّا هُوَ الأعْتى

• القائد بصوت فيه حزم وشدّة: إلى الميدانِ يا جُنْدُ

• يرُدُّ الجنودُ: بأَمْرٍ مِنْكَ نَعْتَدُّ

فأنْتَ الآمِرُ النّاهِي

يرُدُّ: فَهَيَّا أيُّها الأسْدُ

ثْبُوا واغْدُوا بلا خَوْفٍ

وصُولُوا هاهُنا واعْدُوا

• الجنود بصوت واحد:

سَمِعْنا الأمْرَ فاسْتبْشِرْ

وَما مِنْ مَوْتِنَا بُدُّ

فرنْسَا أُمَّنَا تبْقى

ومَوْتٌ دُونَها مَجْدُ

• القائد رافعا رأسه إلى السّماء:

بَارَكَ الرّبُّ فرنْسا وحَمَاهَا

وأرى الأعداءَ لفْحًا مِنْ لَظَاها

فاثْبُتوا فالنَّصرُ آتٍ واقعٌ

وأراهُ كالتّباشيرِ تباهى

هَذهِ الأرْضُ لنا فانْطًلقوا

وامْلكوهَا واسْتحلُّوا مُحْتواها

ليْسَ مَنْ فيها سِوَى شِرْذمَةٍ

ضُعفاءٍ سيُساقونَ شِيَاها

اقْتلُوا واغْتَصِبوا واستأصلوا

واملئوا الأرضَ ظلامًا ومِيَاهَا

حقِّقوا مَا تَتَمّنى أُمُّكمْ

أسْعَدوها تَقْطفوا زَهْرَ رضَاها

• الجنود بصوت واحد:

لَنْ نرْحَمَ الأرْضَ ولا أهْلَها

بالسّيْفِ والبارودِ سادَ الْغريبْ

نسْتَعْبِدُ الأهْلَ بلا رأفةٍ

ونزْرَعُ الْخوْفَ وَنُعْلي الصّليبْ

وقف البعض من أبناء الجزائر البواسل يدافعون عن أرضهم،وبعد قتال

مرير دام أيّاما استطاع الجنود الغاضبون الاستيلاء على بعض الحصون المحاذية لشاطئ البحر

تنظر الجزائر حواليْها بصوت حزين تنادي في أبنائها:

هبّتْ أساطيلُ الأعادي

والشّعْبُ في الطّرقاتِ غادِ

تشْدو المدافعُ للرّدى

بِدَوِيِّهَا العالي تُنادي

يا منْ فرَرْتُمْ خيفَةً

عُودُوا إلى ساحِ الْجهادِ

لا تهرُبوا أوْ تجْبُنوا

لا تسْلموني بالأيادي

احْمُوا الديّارَ وقاتِلُوا

ما جاءُ غيْرُ بني الْفسادِ

هبّوا جياعًا يطلبونَ

الرّزْقَ في مرعى بلادِي

والْحِقدُ بيْنَ ضُلُوعِهمْ

شَرَرٌ كنارٍ في اتّقادِ

جاءوا لنيْلِ حُتُوفِهمْ

والْمَوْتُ يرْقُبُ كلَّ عادِ

جاءوا يجرّونَ المقاصلَ والمدافعَ بالجيادِ

مَنْ ذا يهبُّ يَرُدُّهمْ

رَدَّ المغاويرِ الشّدادِ؟

• تستطرد دامعة العينين:

ناديْتُ في أهلي فهلْ

فيهمْ مُجيبٌ للمُنادي؟

• يسْمعُ أحد الشيوخ الذين كانوا يدافعون عن الأرض ما قالت،

تدمع عيناه،يقول متحسّرًا ضاربًا كفًّا بكفّ:

• الشيخ محمّد:

يا وَيْحَ قوْمي هَرَبُوا!

تا الله هَذا عَجَبُ

هَلْ فرّطوا في أرْضِهمْ

ومَنْ أتى مُغْتصِبُ؟

مُسْتَعْمرٌ مُسْتوْحشٌ

بِمَكْرِهِ مُحْتَجبُ

قدْ بَرَزَتْ أطْماعُهُ

لَوْ خَبّأَتْها السُّحُبُ

كيْفَ يزورُ منْزلاً

عنْ أَهْلهِ مُغْتَرِبُ

• يتقدّم قليلا ويرفع من صوته:

يا قومُ هُبُّوا واصْمُدوا

وكالْجبالِ انْتصِبُوا

رُدُّوا الْعَدُوَّ الْقَهْقَرى

تَقَدَّموا واقْتَربُوا

وقاتلوا مَنْ جاءَكمْ

بهمّةٍ لاَ تنْضَبُ

ما هو إلاَّ طامعٌ

ومُسْتبِدٌ خَرِبُ

• ينظر حوله ويقول:

الدّهْرُ في آجلهِ

يذْكرُ مَنْ قَدْ ذهَبُوا

إنْ حفظوا أرْضَهُمُ

أوْ جَبُنوا وانقلبوا

أوْ نصروا مِلَّتَهمْ

أوْ أدبروا واقتضبُوا

فلْتصْنعوا مجْدكُمُ

كما بناهُ النُّجُبُ

ولْتجْعلُوا تاريخَكُمْ

يذْكُرُكُمْ يا عرَبُ!

• يردُّ شيْخٌ ثان كان يسمعه:

• الشيخ أحمد:

أيْنَ فُحُولُ الْوَطنِ؟

أينَ حُماةُ السّكنِ؟

لَمْ أرَهُمْ؟ أمْ وجلوا

مِنْ مُسْتبِدٍّ عَفنِ

أَمْ خرِسَتْ أفْواهُهُمْ؟

وأصْبحوا كالْوَثَنِ؟

أمْ شربوا ذُلَّ الْعدى

واسْتَسْلَموا لِلْمِحَنِ؟

أمْ قبِلوا أنْ يُجْلَدوا

بالسّوْطِ سَوْطِ الفتنِ؟

• يسكتُ قليلا وهو يضع رأسه بين ذراعيه،

يتنفّس الصّعداء يردّ عليه يتحسّر:

إنّي أَراهُمْ بَدَدًا

وافْترَقوا في وَهَنِ

لَمْ يقفوا في وجهِ مَنْ

هبَّ لِسَبْيِ الْوَطنِ

لمْ يحْفَظوا أعراضَهمْ

مِنَ الْمُغيرِ الْنّتنِ

لَمْ يذكُروا أسلافَهُمْ

فيما مضى مِنْ زَمنِ

كيْفَ فدَوْا أرْضَهُمُ

مِنْ وثْبَةِ الْمُفْتَتنِ

واسْترْخصوا أرْواحَهُمْ

مهَمَا غلى مِنْ ثَمَنِ

يا قَوْمُ هبوا للرّدى

أُفٍّ لعيْشِ الْضَّمِنِ!

• ينظر إلى الشيخ الأوّل:

فلْنَغْدُ يا أخي معًا

كمُسْتعدٍّ فطنِ

يفْدي البلادَ راضيًا

يُحيي كريمَ السُّنَنِ

هيّا ولا تخْشَ الْعِدَى

قَاتِلْ وَلاَ.. لاَ تَهُنِ

• تبتسمُ الجزائر وتلوح على وجهها الطّلق علامات الرضا والأمل،

تربّت على أكتاف بعض أبنائها المقاومين وتقول بصوت فيه دفء وحنان:

• الجزائر:

أبنائي لا تَهنُوا أبدَا

واحْيَوْا في أحضاني أُسُدَا

إنْ بِعْتمْ شِبْرًا مِنْ جسَدي

هُنْتُمْ والْجيلُ يَهُونُ غدَا

أوْ فرّطتُّمْ في ناصيَتي

لِسِواكُمُ سَوْفَ أَمُدُّ يَدَا

أوْ رُمْتُمْ في غيْري شَرَفًا

لنْ تلْتمِسوا شَرفًا أبَدَا

فأَنا أمٌّ لُكمُ وأبٌ

مَنْ يَرْعَهُما حتْمًا سَعِدا

هبُّوا كعواصفَ هائجةٍ

إنْ هبَّتْ تقْتَلعُ الْعُمَدا

فطريقُ الْعزَّةِ شائكةٌ

مَنْ يَسْلُكْها بالنَّفْسِ فَدَى

• تتقدّم خطوة وتقول مبتسمة:

أبنائي لاَ تهنوا وَثبُوا

فالمَجْدُ لِمَنْ لِلْمَوْتِ غَدَا