تخطَّ إلى المحتوى

البحر نواعير رحيل

غير معروف

٢٠٤ بيت

المتفرقات

البحرُ نواعيرُ رحيلٍ

تتأرجحُ موحشةً في الريحِ

وأجنحةُ الأمواجِ يرفرفُ طائرُهَا الأزرقُ

كالمذبوحْ !

وقلوبُ الغرباءِ على الشّطآنِ

تدقُّ بإيقاعِ فراقٍ مجروحْ !

فبأيِّ كآبةِ قلبٍ يا قلبُ ..

بأيِّ مرارةِ روحٍ يا روحْ ؟

ستجرجرُ أرتالُ مراكبنا

في الأرجاءِ المهجورةِ غربتَهَا

راحلةً بنواحٍ مبحوحْ ؟

لنقولَ قوافي الحزنِ المكتوبةَ في يومِ وداعٍ

ونغنّي أغراباً كمآميرِ الشّطآنْ !

بالحسراتِ الحرَّانةِ ، بالنبراتِ المرَّةِ ،

بالصوتِ الظمآنْ ؟

يا قلبُ بأيِّ عيونٍ سنحدّقُ في الأملِ البشريِّ

المرفوعِ على خشبِ الوحشةِ كالصلبانْ ؟

وعلى أيِّ ضريحٍ سينامُ البحرُ بشيخوختهِ الجبّارةِ

حينَ تدقُّ الساعةُ دقتَهَا المشؤومةَ

في جمجمةِ الوقتِ الضجرانْ ؟

وبأيِّ جراحٍ

تتأرجحُ بينَ مصيرينِ ضريرينِ

عذاباتُ الشعراءِ

وتغرسُ مخلبَهَا الأعجمَ

في العقلِ المشبوحْ ؟

يا قلبُ بأيِّ مرارةِ قلبٍ

يا روحُ بأيِّ مرارةِ روحْ ؟

البحرُ مراكبُ راحلةٌ

والفقدانُ طواحينُ هواءٍ

تتبادلُ أشجانَ العمرِ جراحاً بعد جراحْ !

لو كانَ بمقدوري يا بحرُ

رحلتُ غريباً عن هذه الأرضِ

أجرُّ ورائي عرباتِ رياحْ !

وتركتُ دماغي المظلمَ

يطلقُ صيحاتِ اللذّةِ في وجهِ الريحِ

وصياحاتِ العزلةِ في وجهِ الأشباحْ .

لو كانَ بمقدوري يا بحرُ

لفكّرتُ طويلاً بضياعِ مسرّاتِ الأيّامِ

وأطبقتُ كتابَ الفقدِ على ما ضاعَ

من العمرِ وما راحْ !

وعلى رقراقِ الشجنِ الضائعِ

غنّيتُ الأغنيةَ الملتاعةَ عن خسرانِ الناسِ

وجرّعتُ الروحَ مرارةَ هذي الراحْ !

لو كانَ بإمكاني يا بحرُ

بكيتُ على بابِ الدمعِ وحيداً في الليلِ

وألبستُ أغاني الشيخوخةِ قمصانَ نواحْ !

ووقفتُ قبالةَ أمواجِ البحرِ أفكّرُ

كمْ عانيتُ من الأتراحِ

وكمْ ضيّعتُ من الفرحِ المجروحْ !

فبأيِّ كآبةِ قلبٍ يا قلبُ ..

بأيِّ مرارةِ روحٍ يا روحْ ؟

البحرُ نواعيرُ رحيلٍ

تتأرجحُ موحشةً في الريحِ

وأرواحُ الشّعراءِ على الشّطآنِ المهجورةِ

قُرَّاءُ رحيلٍ أغرابْ !

وقواربُ راقدةٌ بمرافىءِ من راحوا

ومراكبُ ضائعةٌ في بحرِ سرابْ !

وقلوبٌ نتذكّرُ خفقَ جوانحها

كلَّ خريفٍ

وعيونٌ نتذكّرُ رقراقَ مدامعها كلَّ عتابْ !

ومجاريحُ يجرّونَ على الرملِ جرارَ العبراتِ

مجاريحُ يسيرونَ على طرقاتِ الأترابْ .

وشبابيكُ شتاءٍ تتأمّلُ فصلَ وداعٍ

وشبابيكُ دموعٍ شاخصةٌ في شمسِ غيابْ !

ما أصعبَ في ليلِ الغربةِ

أن يرحلَ عن أُنسِ أماسينا الأصحابُ ،

وما أصعبَ أن تغرورقَ أعيننا بالدمعاتِ ونغمضها

ليسيلَ مع الدمعِ الساخنِ طيفُ حبيبٍ غابْ !

قرأوا كمآميرِ الحزنِ مراراتِ الترحالِ

وصاروا خلفَ غيومِ المغربِ رهبانَ ضبابْ .

تتقلَّبُ أوراقُ الأمواجِ الأبديّةُ زرقاءَ أمامَ نواظرهم

وتلامسُ أحلامُ الماءِ الورديّةُ

أهدابَ الغيّابْ .

وتسافرُ في الريحِ أياديهم

كجوانحَ باكية لوداعِ الأحبابْ .

وعلى قارعةِ الدربِ سيبكي المغتربُ التعبانُ

فراقَ الناسِ

وينداحُ مع الوحشةِ موّالُ الكلماتِ المجروحْ !

فبأيِّ كآبةِ قلبٍ يا قلبُ ..

بأيِّ مرارةِ روحٍ يا روحْ ؟

ووقفتُ وحيداً كالمتأمّلِ

في الحقلِ القاحلِ للبحرِ

تحلّقُ فوقي أسرابُ طيورٍ ناعبةٍ بفؤادٍ مكسورْ .

فسمعتُ مراثي الحزنِ السوداءَ

مغنَّاةً بالصوتِ الموجعِ

والأصداءُ الثكلى تتجاوبُ بينَ شواطىءَ نائية

كنداءٍ مهجورْ !

وسمعتُ الصوتَ المُوجَعَ للأغرابِ

بمائةِ أغنيةٍ فاجعةٍ

يقطرُ من ناي الغربةِ ماءَ مرارتهِ المخمورْ !

مَنْ يرأفُ يا بجرُ بروحٍ

تتألّمُ بينَ جدارِ النعي وقبرِ الغربةِ ؟

من ينجدُ نفساً ضائعةً تقبعُ في زنزانةِ حزنٍ مظلمةٍ

ويضيءُ وقوفَ الليل ِعلى أطلالِ ضريحِ النورْ ؟

وبمنْ تستنجدُ روحُ الشاعرِ

وهي تصيخُ السمعَ إلى شيخوخةِ هذا البحرِ النائمِ

حين توشوشُ بالأمواجِ دماغَ الشعراءِ المسحورْ ؟

ما أرهبَ أن تتنابحَ أفواهُ الريحِ

على الشجرِ الميتِ ،

وأن يغدو الخسرانُ أناشيدَ

تردّدُ أصداءَ قوافيها أنصابُ صخور ْ !

أنصابُ صخورٍ صمّاءُ

تمرُّ عليها ريحٌ ميّتةٌ

ويحطُّ عليها في هيئةِ عرّافِ الليلِ

غرابٌ مشبوحْ .

يا قلبُ بأيّ كآبةِ قلبٍ

يا روحُ بأيِّ مرارةِ روحْ ؟

البحرُ نواعيرُ رحيلٍ

تتأرجحُ موحشةً في الريحِ

وأجنحةُ الشعراءِ يؤرجحها الزمنُ الموحشُ بالهجراتْ !

وسفائنُ تسعى يائسةَ الإيقاعِ إلى ساعتها

وسفائنُ تستلقي اليوم بشيخوختها البحريّةِ

في صحراءِ الحسراتْ !

يا بحراً تحتضرُ الأرواحُ على شاطئهِ المهجورِ

وتنهالُ عليهِ همومُ الأيّامِ التعبى

فيهمهمُ مهموماً بمئاتِ التنهيداتْ !

اليومَ أفكّرُ مثلَ خريفٍ هرمٍ

برحيلِ غيوم العمرِ

وأتركُ أحلامي تأفلُ عند أقاصي المغربِ ،

عندَ نهاياتِ الآهاتْ !

واليومَ أراقبُ من شبّاكِ الحزنِ

مراراتِ الصبرِ

وأرنو من شبّاكِ الليلِ إلى آخرِ أيّامي الميتاتْ !

واليومَ أصيخُ السمعَ إلى مطرٍ مجروحٍ

تتساقطُ أوراقُ مرارتهِ

فوقَ سطورِ المرثيّاتْ !

ما أعمقَ همَّ الراحلِ في ليلِ فراقٍ

ما أوحشَ إحساسَ الغائبِ

حينَ تذوبُ العينُ وتنهمرُ العبراتْ !

يا بحرُ لماذا يجلسُ فوقَ صخورِ الشاطىءِ مهجورٌ

ويفكّرُ بالغيّابِ ومن ضاعَ و من ماتْ ؟

ولماذا يبكي عصفورُ الشوقِ وحيداً في الغاباتِ على شباك الصيف

وترضعُ أثداءَ الدمعِ مراثي باكيةُ الأبياتْ ؟

يا روحُ نباحُ البحرِ حزينٌ

خلفَ فضاءِ المغربِ ..

إيقاعُ الحزنِ بعيدٌ في الأفقِ الشاحب ِ ..

والغيمُ توابيتُ حدادٍ

تترامى في أفقٍ مشبوحْ .

ومراكبُ غربتنا

تتأرجحُ في الغسقِ الغاربِ غارقةً

كرجاءٍ مذبوحْ .

فبأيِّ كآبةِ قلبٍ يا قلبُ ..

بأيِّ مرارةِ روحٍ يا روحْ ؟

سيغنّي الضائعُ أغنيةَ الفقدانِ

على دربِ رجوعٍ

ويغنّي الموجعُ أغنيةَ الخسرانِ

على أطلالِ زمانٍ ضاعْ ؟

البحرُ نواعيرُ رحيلٍ تتأرجحُ في شطآنِ ضياعْ !

ونفوسٌ تتقاسمُ إحساسَ البلوى اليائسَ

في ساعاتِ فراقٍ ..

وقلوبٌ تتعانقُ باكيةً في ساعاتِ وداعْ !

وقصائدُ حزنٍ

تتجاوبُ في أجواءِ الفقدِ

.. مواويلُ يقطّعُهَا صوتُ حبيبٍ غابَ

وصوتُ عزيزٍ ضاعْ !

ومراكبُ أغرابٍ

تترامى كتوابيتِ حدادٍ

في صحراءِ جياعْ .

يا بحرُ إلى أيِّ مصيرٍ

ستصيرُ الأفكارُ الأبديّةُ لليأسِ الأعمى ،

وإلى أيّةِ أعماقِ

ستغوصُ الأصواتُ المتصاديةُ الثكلى

لتقلقلَ أقفالَ الأوجاعْ ؟

ما أصعبَ أن تتكرّرَ ريحانِ مشرّدتانِ

على مزمارِ الشاعرِ

والقافيةُ المجروحةُ بينهما

تتصاعدُ من ظلماتِ القاعْ !

ما أصعبَ أن يهتزَّ الحزنُ الأسودُ

في جمجمةِ الشاعرِ بالصوتِ الموجعِ والملتاعْ !

ما أصعبَ أن تتأرجحَ أرتالُ مراكبنا

في الأفقِ الغاربِ غارقةً كرجاءٍ مذبوحْ !

والبحرُ نواعيرُ رحيلٍ

راجعةُ الأحزانِ

تجرجرُ في الشطآنِ المهجورةِ

وحشتَهَا بنواحٍ مبحوحْ .

يا قلبُ بأيِّ كآبةِ قلبٍ ..

يا روحُ بأيِّ مرارةِ روحْ ؟

( يا بحراً تحتضرُ الأرواحُ على شاطئهِ المهجورِ

وتنهالُ عليهِ همومُ الأيّامِ )

هموماً بعد همومْ !

لو كانَ بمقدوري

أغرقتُ جراحي في بئرِ العبراتِ ،

وأترعتُ الكأسَ بإكسيرِ الحسراتِ المسمومْ !

لو كانَ بمقدوري أن أتقلَّبَ

في قلقي الأبديِّ على الرملِ

تقلّبتُ معَ الأمواجِ على أنقاضِ مصيريْ المحتومْ .

وبنيتُ على شجرِ الوحشةِ أعشاشَ خريفيْ

وتنهّدتُ مع الريحِ طويلاً

بنحيبِ البشرِ المكتومْ !

لو كانَ بمقدوري يا بحرُ

لأصغيتُ إلى صرخةِ روحٍ

تتمزّقُ في جبروتِ الرّيحِ المنتحره ...

وعفقتُ على ألفِ كمانٍ منتحبٍ

أغنيةَ الخسرانِ المحتضره !

فأنا طوّفتُ كثيراً في الأرجاءِ القفراءِ

فلمْ أعثرْ في كلِّ خرائبِ هذي الأرضِ

على مأوى يعصمني من قلقِ العقلِ المألومْ .

... ومراكبُ تستلقي شيخوختُهَا البحريّةُ يائسةً

ونواعيرُ تجرُّ تعاسَتَهَا السوداءَ

إلى مقبرةِ البحرِ المقفرِ والمشؤومْ .

فبأيِّ حدادٍ يا حزنُ ،

بأيِّ نواحٍ مبحوحْ ؟

وبأيِّ كآبةِ قلبٍ يا قلبُ ..

بأيِّ مرارةِ روحٍ يا روحْ ؟