يَا لَيْلُ، هَلْ تُبْدِي النُّجُومُ سَنَاكِ
أَمْ أَنَّ قَلْبِي فِي الدُّجَى يَهْوَاكِ
يَا زَهْرَةً فِي رَوْضِ حُسْنٍ نَاضِرٍ
تَاهَتْ بِهَا الْأَرْوَاحُ بِمَغْنَاكِ
عَيْنَاكِ بَحْرٌ مِنْ جَمَالٍ سَاحِرٍ
فِيهِ الْغَرِيقُ مُتَيَّمٌ بِرِضَاكِ
وَالشَّعْرُ لَيْلٌ حَالِكٌ مُتَأَلِّقٌ
وَالْوَجْهُ بَدْرٌ فِي سَمَاءِ أَفْلَاكِ
يَا مَنْ سَحَرْتِ الْقَلْبَ بِلَحْظِ عُيُونِكِ
هَلْ فِي وِصَالِكِ رَاحَةٌ لِشَاكِ
أَمْ أَنَّ دَرْبَ الْحُبِّ مِلْؤُهُ عَثَرٌ
وَالْعَاشِقُ الْمِسْكِينُ فِيهِ هَلَاكِ
يَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَرَاكِ قَرِيبَةً
أَمْ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكِ الْأَفْلَاكِ؟
إِنِّي أُنَاجِي اللَّيْلَ عَلَّ نُجُومَهُ
تُهْدِي إِلَيَّ مِنَ السَّنَا بُشْرَاكِ
فَإِذَا بَدَتْ شَمْسُ النَّهَارِ بِنُورِهَا
أَيْقَنْتُ أَنَّ الْكَوْنَ بَعْضُ ضِيَاكِ
مَا الْحُبُّ إِلَّا لَوْعَةٌ وَعَذَابُ
فِيهِ يَذُوبُ الْقَلْبُ وَالْأَلْبَابُ
سِرٌّ دَفِينٌ بِالْفُؤَادِ مَكَامِنٌ
تَأْبَى الْعُقُولُ لِسِرِّهِ الْأَسْبَابُ
نَارٌ تَلَظَّتْ فِي الْحَشَا مُتَأَجِّجًا
تَأْبَى انْطِفَاءً، وَالدُّمُوعُ سَرَابُ
يَا قَلْبُ صَبْرًا، إِنَّ فِي الصَّبْرِ رَاحَةً
مَهْمَا تَطُولُ فِي دَرْبِهِ الْأَوْصَابُ
إِنَّ الْمُحِبَّ وَإِنْ تَأَلَّمَ قَلْبُهُ
يَبْقَى عَلَى عَهْدِ الْهَوَى وَثَّابُ
يَا لَيْتَ شِعْرِي، هَلْ يَدُومُ تَصَبُّرِي
أَمْ أَنَّ صَبْرِي فِي الْهَوَى كَذَّابُ؟
إِنَّ الْفِرَاقَ وَإِنْ جَفَا مَحْبُوبُهُ
يَبْقَى عَلَى ذِكْرَى اللِّقَا جَذَّابُ
يَا نَفْسُ لَا تَجْزَعِي مِنْ أَلَمِ النَّوَى
فَالْحُبُّ فِي دَرْبِ الْحَيَاةِ كِتَابُ
إِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا نَعِيمٌ لِلْهَوَى
فَالصَّبْرُ فِي مُرِّ الْجَوَى مُسْتَطَابُ
يَا رَبِّ فَارْزُقْنِي رِضَاكَ فَإِنَّهُ
فِيهِ السَّعَادَةُ وَالْهَنَاءُ يُطَابُ
يَا نَفْسُ صَبْرًا عَلَى مَا خَطَّهُ الْقَدَرُ
فَالدَّهْرُ دُوَّلَابُهُ فِي سَيْرِهِ عِبَرُ
إِنَّ الْحَيَاةَ وَإِنْ طَالَتْ مَسِيرَتُهَا
لَابُدَّ مِنْ وَقْفَةٍ فِيهَا لَنَا نَظَرُ
لَا تَحْسَبَنَّ سُرُورَ الْعَيْشِ دَائِمًا
فَالصَّفْوُ يَعْقُبُهُ فِي دَهْرِنَا كَدَرُ
وَاعْمَلْ لِآخِرَةٍ تَسْعَى لِبُلُوغِهَا
فَالْمَالُ يَفْنَى وَيَبْقَى الصَّالِحُ الْأَثَرُ
إِنَّ التُّقَى زَادُ مَنْ يَسْعَى لِجَنَّتِهِ
وَالنَّفْسُ إِنْ زُكِّيَتْ فَازَ بِهَا الْبَشَرُ
لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا
فَالزَّهْرُ يَذْبُلُ وَالْأَيَّامُ تَنْتَصِرُ
وَاطْلُبْ رِضَا اللَّهِ فِي سِرٍّ وَفِي عَلَنٍ
فَالنَّفْسُ تَسْعَدُ إِنْ طَابَ لَهَا السَّرَرُ
وَاصْبِرْ عَلَى مَا تُلَاقِيهِ مِنْ مِحَنٍ
فَالصَّبْرُ فِي النَّائِبَاتِ خَيْرُ مَا يُدَّخَرُ
إِنَّ الْحَكِيمَ إِذَا مَا اشْتَدَّ كَرْبُهُ
يَلْقَى الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَيَنْتَظِرُ
يَا حَامِلَ الْعَدْلِ فِي كَفٍّ وَفِي قَلْبِ
سِرْ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ لَا تَخْشَ مِنْ عَتَبِ
إِنَّ الْكَرَامَةَ فِي الْأَخْلَاقِ زَاهِيَةٌ
وَالصِّدْقُ نُورٌ بِهِ نَهْتَدِي فِي الدُّرُبِ
وَالْعَفْوُ زَيْنٌ لِمَنْ سَامَى مَكَارِمَهُ
وَالْحِلْمُ تَاجٌ عَلَى رَأْسِ ذِي الْأَدَبِ
وَالْجُودُ بَحْرٌ بِهِ الْأَرْوَاحُ طَامِحَةٌ
وَالْبُخْلُ نَارٌ بِهَا يُسْتَوْقَدُ الْغَضَبِ
يَا طَالِبَ الْمَجْدِ، إِنَّ الْمَجْدَ فِي عَمَلٍ
يَزْكُو بِهِ الْمَرْءُ فِي سِرٍّ وَأَدَبِ
وَالْعِلْمُ نُورٌ بِهِ الْأَرْوَاحُ مُشْرِقَةٌ
وَالْجَهْلُ ظُلْمَةُ قَلْبٍ لَيْسَ مُكْتَئِبِ
فَاحْرِصْ عَلَى الْخَيْرِ، إِنَّ الْخَيْرَ مَرْتَبَةٌ
تَسْمُو بِهَا النَّفْسُ إِنْ طَابَتْ بِهَا الْخُطَبِ
وَاعْدِلْ إِذَا مَا حَكَمْتَ النَّاسَ فِي مَهَلٍ
فَالْعَدْلُ مِيزَانُهُ فِي النَّاسِ مُكْتَسَبِ
يَا رَوْضَةَ الْحُسْنِ فِي أَبْهَى مَعَانِيهَا
تَاهَتْ بِهَا الْعَيْنُ مِنْ سِحْرٍ يُجَارِيهَا
الزَّهْرُ يُزْهِي بِبَهْجَتِهِ الدُّنْيَا
وَالطَّيْرُ يَشْدُو بِأَلْحَانٍ يُحْيِيهَا
وَالنَّهْرُ يَجْرِي بِعَذْبِ الْمَاءِ مُتَرَقْرِقًا
كَأَنَّهُ سَيْلُ أَحْلَامٍ يُدَاعِيهَا
وَالشَّمْسُ تُرْسِلُ أَشْعَاعًا مُذْهَبَةً
تُضِيءُ دَرْبَ الْمُحِبِّينَ وَتُهْدِيهَا
وَاللَّيْلُ يَأْتِي بِنَجْمِهِ اللَّامِعِ مُؤْتَلِقًا
كَالْعَاشِقِينَ بِنُورِ الْبَدْرِ يُحْيِيهَا
وَالرِّيحُ تَسْرِي بِنَسَمَاتٍ مُنْعِشَةٍ
تُهَدْهِدُ الْقَلْبَ فِي لُطْفٍ وَتُسَلِّيهَا
يَا لَيْتَ شِعْرِي، هَلْ أَلْقَى بِمَنْظَرِهَا
رَاحَةَ نَفْسِي أَمِ الْهَوَى يُعَنِّيهَا؟
الطَّبِيعَةُ بالقُرْآنِ آيَاتٌ مُنَظَّمَةٌ
تُبْدِي لَنَا مِنْ جَمَالِ الْخَلْقِ بَارِيهَا
فَسُبْحَانَ مَنْ أَبْدَعَ الْأَكْوَانَ فِي حُسْنٍ
وَأَوْدَعَ فِي الرُّوحِ سِرًّا يُحْيِيهَا
وَيَا رَوْضَةَ الرُّوحِ، فِيكِ تَجَلَّتْ
آيَاتُ رَبِّي بِأَنْوَارٍ تُضَوِّيهَا
تُغَنِّي الْقَصَائِدَ عَنْ كُلِّ الْمَعَانِي
وَتُطْرِبُ النَّفْسَ بِالشَّوْقِ الْمُنَاجِيهَا
فَإِنْ كَانَ قَلْبِي بِجَمَالِكِ مَفْتُونًا
فَهُوَ الْعَشِيقُ الَّذِي يَهْوَى تَجَلِّيهَا
يَا رَوْضَةً فَاقَتِ الْأَحْلَامَ حُسْنًا
أَنْتِ الْحَيَاةُ وَنَبْعٌ لَا يُضَاهِيهَا
يَا لَيْلَ قَلْبِي، فِيكِ عَيْنَايَ حَالِمَتَانْ
تُغْرِيهِمَا النَّجْمَةُ فِي نُورِهَا الْفَتَّانْ
يَا حُبَّ قَلْبِي، أَنْتِ سِرُّ وُجُودِي
وَنَبْضُ قَصِيدِي فِي اللَّيَالِي الْحِنَانْ
مِنْكِ الْحَيَاةُ تَعَلَّمَتْ حِكْمَتَهَا
وَصَبْرُ النُّفُوسِ عَلَى الدَّهْرِ الْمُسْتَكِينْ
وَمِنْكِ الْقِيَمُ تَجَلَّتْ فِي كَرَامَتِهَا
وَالْعَدْلُ يَسْمُو بِنُورِ الْحَقِّ فِي الْيَقِينْ
يَا رَوْضَةَ الْخَلْقِ، فِيكِ الْجَمَالُ اجْتَمَعْ
وَحُسْنُكِ آيَةٌ مِنْ رَبِّنَا يَزِينْ
فَسُبْحَانَ مَنْ سَوَّى الْكَوْنَ بِقُدْرَتِهِ
وَأَوْدَعَ فِيهِ سَكَنًا لِقَلْبِ الْعَاشِقِينْ