إنْ غابَ موسى فذا هارونُهُ حضرا
ما غابَ موسى ولكنْ غابَ مَنْ بَصُرَا
قلّبتُ أمسَكَ يا موسى وجدْتُ بِهِ
دُنيا البلاءاتِ صُبَّتْ أنبتتْ عِبَرا
منذ ابْتُلِيْتَ وليداً يَمُّك المَهَدُ
في قَصْرِ فرعونَ صِغْتَ الصَّبْرَ والقَدَرَا
لمّا أقمْتَ على الباغينَ مأتَمَهُمْ
في طَوْدِ عِزٍّ سَطَرْتَ العِلْمَ والدُّرَرا
كمْ يَقْرَأُ الناسُ قُرآناً بدولتِهِمْ
لكنَّهُ الكِبْرُ أعماهُمْ، هُنا عَثَرَا
لمّا بُعِثْتَ، فُتوراً كانَ موطِئُهُمْ
ما بالُ تلكَ القرونِ الماضياتِ تُرَى
ذِي عِلْمُها عندَ رَبِّي في كتابِ هُدَى
هذا الجوابُ، فهل ينفي لَهُمْ كَدَرَا
لو كانَ ينفي لَمَا عادُوا لسابقةٍ
حيثُ استعاروا فِرا فرعونَ إذْ فَجَرَا
هُمْ غَيَّبُوكَ، وقالوا غابَ عائِلُنا!
فَمَنْ تَرَاهُ يَعُولُ الناسَ مُذْ فَتَرَا
قامُوا إليها بلا خوفٍ ولا وَجَلٍ
واسْتَقْسَمُوا الفَيْءَ ما أبْقَوا لَهُ أَثَرَا
واسْتَرْخَصُوا الناسَ في سُوقِ الضَّياعِ فَهُمْ
قدْ ماكروا الليلَ تطويلاً، عَفَا سَمَرَا
هُمْ غالبُوكَ على إيقاظِ مَنْ سُكِرَتْ
أبصارُهُمْ، وتَمَنَّوْا لَيْلَهُمْ دَهَرا
بلْ بالغُوا في أذاك اليَومَ إذْ نَكَؤُوْا
جُرْحَ السقيفة وانْماثُوا بِها زُمَرَا
هذا يُنَصّبُ مَنْ يَهْوَى، وذاكَ لَهُ
في دارةِ الأمسِ آمالٌ بها جَهَرَا
قومٌ تُحَزِّبُهُمْ أهواؤهُمْ عُصَبٌ
قد ألبَسُوا البغيَ هالاتٍ بها سُحِرا
ثُمَّ انجلتْ غُبْرَةُ الباغينَ عنْ وطنٍ
عاثتْ بِهِ آفةُ الأحقادِ فاعْتُقِرا
موسى أتيتُكَ خُذْنِي، إنَّنِيْ وطنٌ
على تُرابِهِ عاشَ الآلُ ما نَكَرَا
لَهْفَانَ جِئْتُ ببابِ اللهِ أنْدُبُكُمْ
أشكو إليك ضياعاً أرْهَقَ العُمُرَا
وَكَمْ صَبَرْتُ على هَوْجَاءَ مُقْبِلَةٍ
رجوايَ تُدْبِرُ، ما خَيَّبْتَ مَنْ نَفَرَا
شابَهْتُ يعقوبَ لمّا ابْيَضَّ ناظرُه
على حبيبٍ، فِداهُ العينُ إنْ عَذَرَا
قد بِتُّ أرْقَبُهُ مِنْ ألفِ مُنْزَلَةٍ
إنّي شقيتُ بِفَقْدٍ ذُقْتُهُ عُسُرا
ها هم بنيَّ عقوقٌ كلُّ ما وَهَبُوا
إذْ رَخّصُوني بسوقٍ بيعُهُ الكُبَرا
هُمْ حمّلونِيَ إثماً صُنْعَ أيديَهُمْ
آهٍ جفانيَ مَنْ آويتُ، ما ذَكَرَا
انظُرْ إليَّ، فإنّي محضُ أمنيةٍ
حَسْبِيْ رجوتك، خلّي عنكَ مَنْ غَدَرَا