تُسائلُني بالأمسِ عمّا جرى لِيا
وغارتْ بيَ الدنيا لمْ تَدرِ ما بيا
حكمتَ وما أنصفتَ يا دهرُ بيننا
فأبعدتَها عني فبوعدتَ قاضيا
وقالت ليَ الأيامُ صِلْها تحيّةً
ليوم تكنْ فيهِ التَّحايا تناجيا
تعودينَ يوماً للطلولِ فقد بكى؟
لكِ القلبُ وازدادَ الفؤادُ مآسِيا
شهورٌ وأعوامٌ مضتْ في غيابِنا
فإنْ كُنتِ في حُزْنٍ فقدْ كنتُ باكيا
ذكرتُكِ ذكرى مَنْ تولّى حبيبُهُ
فحنَّتْ لهُ النّفسُ التي ظلَّ ناسيا
يُخيَّلُ لي أَنّ التلاقي حليفُنا
فلو كدتُ أنسى قد ذكرتُ التلاقيا
تعالي ضعي بين الجوانِحِ خافِقاً
يبيتُ الليالي ساهرَ الليلِ شاكِيا
وللهِ تصريفُ الأُمورِ وإنّما
عسى اللهُ أوحى أنْ يُنَحّى عذابيا
ومالي معَ الدنيا حديثٌ أُطيلُهُ
ولا كنتُ أهوى العيشَ إلا تصافيا
أيُرضيكِ أنْ أحيا بنفسٍ حزينةٍ
ويُرضيكِ أنْ أُفنِي الزّمانَ تناجِيا؟
هَلُمّي فإنْ لم تستطيعي فبادري
لنا في منام واستريحي ثوانيا
فليتَ لنا عادتْ ليالٍ قضَيْتُها
وصالاً ألا عودي لنا يا لياليا
ويا ليتَ ذي قارٍ تدانَتْ لبصْرةٍ
ويا ليتَ ما ضمَّ الزبيرُ انتمى ليا
قضى صبحُ أيامي أنيناً وذِكْرُها
يُراودُني واللهِ لو كنتُ غافيا
وصارتْ لنا ذكرى وولّى زمانُها
فياليتَ عن قلبي يُوَلِّي غراميا
يقولونَ فانٍ كلُّ شئ وإنني
وجدتُ الهوى يُفْني وغيْرَهُ فانيا
وحيدٌ وأيامي القِصارُ طويلةٌ
وعيْني كما كانت ونفسي كما هيا
وأما رسومُ الدارِ خرسى كأنها
سَجَنْجَلُ أوهامي الذي ظلَّ باقيا
أُنادي فما للريحِ لا تحملُ الصدى
أيا سارقَيْ قلبي ألا تسمعانِيا؟
وقفتُ وما أحْسَسْتُ إلاّ بواقفٍ
دَنا فاستوى حتى تمثّلَ داعيا
يُسائِلُني عنها وعنِّي بِفَقْدِها
فقلتُ لهُ ليتَ الحبيبَ يرانيا
يقولونَ ودّعْنا الخليطَ بأسْرِهِ
وساروا بها والليلُ قد كانَ ساجيا
أعادوا لنا منْ دهرِنا ما تباعَدَتْ
أحاديثُهُ عنّا فهاجَ الأسى بيا
فوا حَرَّ قلبي قد حُرِمْتُ لقاءَها
وحَلَّ غرابُ البينِ كلَّ مكانِيا
وإني وحقِّ اللهِ لمّا فقَدْتُها
بكَيْتُ ببابِ الدّارِ حتى بكى ليا
ولو يُهْلِكُ الشّوقُ الذي في قلوبِنا
لَما ظلَّ مَسقوماً ولا ظلَّ شافيا
وأحبَبْتُها حُبَّ الخليلِ لِخِلِّهِ
وما مِثلُ حُبِّي كائنٌ في زمانيا
فما ذَرُفتْ عينٌ وناحتْ حمامةٌ
ولا طائرٌ إلّا يوَدُّ التلاقيا
وما ذكَرَ القلبُ الذي مرَّ وانقضى
مِنَ العهدِ إلا بلّلَ الثوبَ باكيا
سلامٌ لها ما طالَ عمري وبعدَهُ
سيأتي سلامُ الغائبينَ قوافيا
وربَّ رجاءٍ خابَ فيمَنْ رجوتُهُ
ورُبَّ سكوتٍ نالَ ما أنتَ راجيا
وإنّكِ بدرٌ في زمانٍ عشِقْتُهُ
ومَنْ يعشقِ الأقمارَ يلْقَ اللياليا
ومَنْ طالَ فيهِ الهمُّ أخفى همومَهُ
ومَنْ عَرَفَ الدنيا أقَلَّ الأمانيا
لقدْ صارَ ماضينا زماناً مُشَرَّداً
وكلُّ زمانٍ مُقبِلٍ صارَ ماضيا
وإنَّ الذي يخلو من العشقِ قلبُهُ
كمَنْ عاشَ في الدنيا مِن القلبِ خاليا
ولي فيكِ حاجاتٌ يطولُ خِطابُها
إذا قُلتُ شيئاً قد فقدتُ المُواسِيا
فلم يَبْقَ للأيّامِ عندي سوى الكرى
ولم يبْقَ عندي غيرُ ذكراكِ باقيا
ونحنُ كقولٍ قالَهُ الدّهرُ بعدما
رمانا كما يرمي الكلامُ المعانيا