هذا الربيع بنورِ الحسْنِ وافانا
وقد كسا الأرضَ بالأزهار ألوانا
من أبيضٍ ناصعٍ في أخضرٍ بهِجٍ
مَعْ أحمرٍ من شقيق الأرض ريّانا
فالوردُ في لونه خدُّ الحبيب إذا
قطفتَ قبلتَه فاحمرَّ خَجْلانا
والأقحوان كثغرٍ زانه شَنَبٌ
يفترٌ مبتسمًا بالأنس جَذْلانا
والنرجسُ الغضُّ كالعين التي نظرت
إلى محبٍّ له ترجوه أحيانا
والياسمينُ تبدَّى في كَمائِمه
كأنه أغيدٌ تلْقاه نشوانا
يا ربةَ الحسن هذا اليوم مبتسمٌ
وأنت أحسَنُ شيءٍ عندنا كانا
هل تأنسين بهذا الروضِ يا أملي
فافترَّ مبسمُها دُرّاً ومَرجانا
هذا مُغَنٍّ أغنُّ الصوت ذو هَيَفٍ
العودُ في يده يرجوك إيذانا
قالت فغنِّ لنا شيئًا فقال لها
يا نظرًة قَدَحَتْ في القلب نيرانا
فاستضحكت ثم قالت إنَّ ذا حَسَنٌ
لكن أريد سوى هذا فغنّانا
إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ
قتلننا ثم لم يُحيينَ قتلانا
يصرعنَ ذا اللبّ حتى لا حراكَ به
وهنَّ أضعف خلق الله إنسانا
ثم انثنت نغمة الأوتار في شجنٍ
تُشجي القلوب تباريحاً وسلوانا
واستوقفَتْه هُنَيهًا حينما التفتتْ
تُبدي لنا من جمال السحر ألوانا
ناولتُها العودَ والتقبيلُ يتبعه
حتى استفاقت تنادي ما الذي كانا
أبهجتَ قلبي ولم يظفر بمنيته
هيهات بعدك يلقى القلبُ سلوانا
لا يطلب الأنسَ من عزّت له هممٌ
مثلي وعانده دهرٌ فما هانا
لو كابد الصخرُ ما كابدت من نكدٍ
لدكَّ من ثقله رضوى وثهلانا
يكفي زمانيَ أنّي فقتُه جلدًا
وطُلته بجميل الصبر ألوانا
نفسي ترى الخطبَ سهلاً من سجيّتها
أوهى وأهون شيءٍ عندها كانا
لو صادفَ الماءُ من همّي ومن هِممي
شيئًا لأشعلَ وسطَ الماء نيرانا
مهما فعلتُ من التربيح يا زمني
أعلى وأشرف أن أرضاك معوانا
إن الذي عاركَ الأيامَ في ثقةٍ
ذاك الفتى لا الذي يهتزّ إذعانا
ما لي وللدهر كم أصمتْ نوائبُه
قلبي ومن عجبٍ ألقاه جذلانا
وهيّج النغْمُ من أشجانها فغدت
تعانق العودَ مرّاتٍ وأحيانا
ثم استفاقت تغنّي وهي باسمةٌ
والعودُ في كفّها يختال نشوانا
كنْ كيف شئتَ فما لي عنك من بدلٍ
أنت الزلال لقلبٍ بات ظمآنا
واستعجلتْ بخطى الولهان مسرعةً
والعودُ يُنشدها رفقًا وإحسانا
حتى تمايلتِ الأشجارُ من طربٍ
وقد غدت كقدود الغِيد أغصانا
رقَّ النسيمُ على ثوب الأصيل وقد
ولّى النهارُ وطابت فيه نجوانا
وجُدِّد الأنسُ إذ غنّت على طربٍ
يا ليلُ طلت َعلى من بات سهرانا
ياغادةً تُذهب الأشجانَ طلعتُها
حتى ترى الواجدَ المحزون جذلانا
هذا أنا إن تكن يا دهرُ تجهلني
ألقى المصائب والأفراح سِيّانا
وحاسدٌ غاظه فضلي فأرغمه
خُبثُ الطبيعة أن يعطيه نكرانا
وأحقر الناس في عيني وأسمجهم
إني لآنف أن أدعوك إنسانا
هلا علمتَ بمن في الناس تحسده
لا يرتضيك لتحت النعل ميدانا
إن كنت تنكر ضوءَ الشمس من حسدٍ
فليس مثلك كلّ الناس عميانا
فعشْ ذليلاً وكن ما دمت في كمدٍ
تشكو الضنى تارةً والنارَ أحيانا
للعبقريْ الفذّ والخلّ الوفّي ومن
فاقت موّدته سرّاً وإعلانا
خطّ اليراعُ لقد أدلى بها طربًا
هذا الربيعُ بنور الحسن وافانا