ذَاقَ قَلْبِي الْسِّحْرَ؛ فَاقْتَرَبَا
مِنْ مَلِيحٍ، وَانْتَشَى طَرِبَا
وقَعَ الْمَفْتُونُ فِي شَرَكٍ
مِنْ شِبَاكِ الْعِشْقِ، وَانْجَذَبَا
مُدْمِنًا خَنَّاقَهُ؛ فَغَوَى
مُذْ خَطَا فِي الْعِشْقِ، وَاعْتَتَبَا(١)
والْتَقَى فِي لَيْلِهِ قَمَرًا
فَاتِنَ الْإِبْلَاجِ مُنْتَخَبَا(٢)
بَدْرَ تِمٍّ رَافِهًا غَنِجًا
ويُرِي مَنْ يَنْظُرُ العَجَبَا(٣)
بَاطِشًا بِالْمُسْتَهَامِ إِذَا
سَلَّ سَيْفَ الْحُسْنِ، وَاهْتَلَبَا(٤)
كَمْ مَلَاكٍ سِحْرُهُ فِتَنٌ
تَسْتَفِزُّ الْعَاشِقَ الْحَدِبَا!(٥)
عَجَبًا للهِ دَرُّكَ يَا
قَلْبَ طِفْلٍ لِلْجَمَالِ صَبَا!(٦)
فَاسْتَحَارَ النَّبْضُ مُرْتَعِدًا
وأَثَارَ الْهَرْجَ، وَالشَّغَبَا(٧)
واسْتَلَذَّ الْعِشْقَ مِنْ مَلَكٍ
في السَّمَا قَدْ كَشَّفَ الْحُجُبَا
فَعُرُوجًا قَدْ سَمَا لِسَنَا
وأَرَادَ الْقُرْبَ، وَاطَّلَبَا
وتَغَاوَى بِالْحَنِينِ عَلَى
نَاعِمٍ يَسْتَمْهِدُ السُّحُبَا(٨)
وجَدَا مَحْبُوبَهُ خَجِلًا
ورْدَةً مِنْ طَيِّبَاتِ رُبَى(٩)
ودَنَا مِنْ حَوْضِ فِتْنَتِهِ
وفَمُ الْعَيْمَانِ قَدْ شَرِبَا(١٠)
عَجَبًا لِلَّهِ حُسْنُكَ يَا
يُوسُفِيًّا عِشْقُهُ وَجَبَا!(١١)
يَا مُلِيمًا كَيْفَ تَعْتُبُهُ
دُونَمَا أَنْ تَعْرِفَ السَّبَبَا؟
ذَاكَ قَلْبِي عِشْقُهُ مَرَضٌ
كَبْوَةٌ فِيهَا الْجَوَادُ كَبَا(١٢)
مَرَضٌ بِالْعِشْقِ لَذَّ لَهُ
عَنْ حَيَاةٍ قَدْ تَضِيعُ هَبَا(١٣)
مَرَضٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ
بَلْ غَدَا لِلْعَالَمِينَ وَبَا(١٤)
أَيُلَامُ الْقَلْبُ في مَرَضٍ
كَلَهِيبِ النَّارِ إِنْ نَشِبَا؟!
مَا عَلَى أَهْلِ الْهَوى حَرَجٌ
دَاؤهُمْ لَا يَقْتَضِي الْعَتَبَا(١٥)
أَيُلَامُ الْقَلْبُ وَقْتَ بَدَا
كَصَبِيٍّ لِلْحُلُوِّ حَبَا؟!(١٦)
إِنَّهُ، لَمَّا رَأَى مَلَكًا
آمِرًا، لَمَّا يَكُنْ هَرِبَا(١٧)
قَدْ تَرَبَّى الْقَلْبُ مِنْهُ مَدًى
وعَلَى أَهْوَالِهِ دَرِبَا(١٨)
قَلْبُ طِفْلٍ ذَابَ فِي قَمَرٍ
كَانَ لِلْإِغْوَاءِ مُرْتَكِبَا
وجَلَالُ الْبَدْرِ أَبَلَجَهُ
وهَجًا لَوْ نَاءَ عَنْهُ خَبَا(١٩)
ونَمَا شَوْقٌ لِعلْمِ هَوًى
فَتَصَدَّى مُنْذِرًا، وَأَبَى
حَذَّرَ الْمَغْرُومَ مِنْ فِتَن
وجَوًى إِنْ ظَلَّ مُجْتَذَبَا
والْتَقَى آلُ الْهَوَى بِهَوًى
كَيْ يُذِيقُوَا مُهْجَتِي الْخُطَبَا
أَوْعَدُونِي الْهَمَّ عَاقِبَةً
لَمْ يَزَلْ إِيعَادُهُمْ حَدَبَا(٢٠)
أَوْعَدُوا قَلْبِي مُكَابَدَةً
والْأَسَى بَعْدَ الْأَسَى عُقُبَا(٢١)
فَتَأَبَّى الْقَلْبُ مَوْعِظَةً
وانْزَوَى في السِّحْرِ مُسْتَلَبَا(٢٢)
في مَدَارَاتِ الْهُيَامِ سَعَى
وانْتَهَى كَالنَّجْمِ مُضْطَرِبَا
ومَدَى دَهْرٍ مَشَاعِرُهُ
في اتِّقَادٍ مَا اشْتَكَى لَهَبَا
أَيُلَامُ الْقَلْبُ أَجْلَ نَدًى
ذَوَّقَ الْعُشَّاقَ كَأْسَ صِبَا؟
مِنْ غَرَابِيلِ الزُّهُورِ ثَرَا
فَرَّ كَالْأَمْوَاهِ مُنْسَرِبَا(٢٣)
فَاحْتَسَى الْمُشْتَاقُ خَمْرَتَهُ
وأَدَارَ الْكَأْسَ أَوْ سَهَبَا(٢٤)
وجْهُهُ لَا ذَاقَ مِنْ حَسَدٍ
مَا لَنَا لَا نَمْسِكُ الْخَشَبَا!(٢٥)
فِاقَ في حُسْنٍ مَلَائِكَةً
لِنِهَايَاتِ الزُّهَا صُبُبَا(٢٦)
جِيدُهُ إِنِّي أَرَى فَرَسًا
عَرَبِيًّا أَعْجَزَ الرَّقَبَا(٢٧)
يَنْثَنِي خَصْرُ السَّمَاءِ لَهُ
مَا لَهَا مَا أَكْبَحَتْ لَعِبَا!(٢٨)
لَيْتَنَا، قَالَتْ كَوَاكِبُهَا،
لُؤْلُؤٌ مِنْ أَجْلِهِ ثُقِبَا
فَمُهُ يَا وَيْلَتِي فَمُهُ
كَرَزٌ أَمْ عَاصِرٌ عِنَبَا؟!
أهِ يَا آهَيْنِ مِنْ فَمِهِ
لَهَبٌ لَكِنَّهُ عَذُبَا
شَعْرُهُ الْهَفْهَافُ مُشْكِلَةٌ
فَوْحُ عِطْرٍ في الْفَضَاءِ هَبَا(٢٩)
شَعْرُهُ يَا قَوْمُ جَنَّنِي
مُجْمَرًا أَوْ مُرْسَلًا خَضِبَا(٣٠)
صَوْتُهُ الْخَلَّابُ دُنْدِنَ مَنْ
عَنْدَلِيبٍ مِنْ جَنًى نَغَبَا(٣١)
صَوْتُهُ يَا نَاسُ مُفْتَرِسٌ
مُسْتَبِيحٌ، بِالْكَلَامِ سَبَى
شِعْرُهُ وَيْلِي عَليْهِ إِذَا
حَنَّنَ الْمُشْتَاقَ فَانْتَحَبَا
بَثَّ شِعْرًا نَمْنَمُوهُ عَلَى
كَعْبَةٍ أَوْ زَرْكَشُوا الْكُتُبَا(٣٢)
نَاطِقًا أَغْوَى الْقُلُوبَ بِهِ
واسْتَبَى الْوِجْدَانَ إِنْ كَتَبَا
فَالْفُتِيُّ اسْتَقْتَلُوا وَلَعًا
والْعَذَارَى خُضْنَهُ شُجُبَا(٣٣)
حُزْنُهُمْ في جِيدِهِمْ مَسَدٌ
حَمَلُوا مِنْ نَارِهِ الْحَطَبَا
في الْهَوَى كَمْ مِنْ أَبَاطِرَةٍ
أَصْبَحُوا طُلَّابَهُ النُّجَبَا!(٣٤)
فَنُّهُ رَبَّى عَمَالِقَةً
مِنْ حَوَاشِيهِ اسْتَقَوْا أَدَبَا
إِنْ خَلَا يَوْمًا (بِعَنْتَرَةٍ)
غَابَ عَنْهُ الْوَحْيُ وَاحْتَجَبَا
وطَغَى الْتَّأْثِيرُ آنَ شَدَا
(قَيْسُ لَيْلَى) بَينَمَا اكْتَأَبَا
(عَزَّةً) نَاغَى (كُثَيِّرُهَا)
بِالْأَسَاطِيرِ الَّتِي اكْتَتَبَا
(وَجَمِيلٌ) إِذْ (بُثَيْنَةُ) في
خِدْرِهَا إِلْهَامَهُ صَحِبَا
(وَابْنُ زَيْدُونَ) الَّذِي نَطَقَتْ
أَجْلَهُ (وَلَّادَةٌ) ذَهَبَا
شَاعِرٌ فَذٌّ، وَلَا كَذِبٌ
وابْنُ لَفْظٍ يَصْطَفِي النُّخَبَا
مُفتَرٍ مِنْ يَوْمِهِ بَطَلٌ
مِنْ ضُحًى قَدْ نَيَّمَ الْأُدَبَا(٣٥)
زِئْبَقِيُّ الشِّعْرِ كُنْيَتُهُ
سَيِّدُ الْأَسْيَادِ وَالنُّقَبَا
لِلْمَعَانِي ظَلَّ بَارِقَةً
ولِأَيْتَامِ الْقَصِيدِ أَبَا(٣٦)
لَمْ يَكُنْ مِنْ شِعْرِهِ مَلِكًا
إِنَّهُ مَنْ يَمْنَحُ اللَّقَبَا
واهِبًا نَوْطًا وَأَوْسِمَةً
مُنْعِمًا أَوْ يَعْزِلُ الرُّتَبَا
شِعْرُهُ الْفَوَّاحُ مِبْخَرَةٌ
أَرَّجَتْ كَوْنِي بِفَوْحِ كُبَا(٣٧)
دَوَّخَ الْعُشَّاقَ مَنْطِقُهُ
بِلَطِيفِ الْهَمْسِ قَدْ خَلَبَا
مَنْحَ الْأَحْلَامَ في قِصَصِي
حَدَثًا في النَّصِّ مُلْتَهِبَا
أَرَّخُوا شِعْرًا بِهِ؛ فَهُنَا
يَكْتُبُ التَّارِيخَ مَنْ غَلَبَا
عِشْقُهُ يَرْعَى وَيَسْكُنُنِي
بَيْنَمَا قَلْبِي لَهُ عَشُبَا(٣٨)
وجَرَتْ غِزْلَانُهُ مَرَحًا
في رُبَى نَبْضِي لِتَعْتَشَبَا(٣٩)
أَغْدَقَتْ رُوحِي عَلَيْهِ شَذَا
طَرْحِ بُسْتَانٍ لَهُ غَلِبَا(٤٠)
مُنْيَتِي نَفْسٌ مُصَافِيَةٌ
أَكْتَفِي عَيْشًا بِهَا لَبَبَا(٤١)
بَيْنَ أَهْدَابِي أُنَيِّمُهَا
وحِكَايَاتِي لَهَا رُقَبَا(٤٢)
عِشْقُهُ أَنْسَي بِهِ زَمَنِي
أَبَدًا لَا أَذْكُرُ الْحِقَبَا
أَيُّ أَيَّاتِ الشُّهُورِ هُنَا؟
صُحْبَتِي؛ فَلْتَحْسُبُوا الْحِسَبَا(٤٣)
نِصْفُ (شَعْبَانَ) انْتَهَى؟ عَجَبَا!
(رَمَضَانِي) صُمْتُهُ (رَجَبَا!)
حِضْنُهُ خَمْلٌ عَلَى سُرُرٍ
وسَمَاءٌ أَمْطَرَتْ شُهُبَا
وسْعُ كَوْنٍ في تَمَدُّدِهِ
كُلَّمَا عِشْنَا بِهِ رَحُبَا
مَرَّ عُمْرٌ، وَالسِّنِينُ مَضَتْ
والَّذِي فُزْنَا بِهِ سُلِبَا
لَيْسَ عُمْرُ الْعَالَمِينَ سِوَى
مُنْحَنًى يَسْمُو لِيَنْتَكِبَا
ذَاقَ قَلْبِي سِحْرَهُ زَمَنًا
لَمْ يُلَاقِ الْفَوْزَ وَالْغَلَبَا
ضَلَّ قَلْبِي الشَّهْدَ مِنْ فَمِهِ
بَعْدَ أَنْ كَانَ اسْتَقَى صَبَبَا(٤٤)
حَامَ مُلْتَاعًا مِدَادَ سَمَا
كَرَوَانًا عُشُّهُ انْخَرَبَا
نَائِحًا يَطْفُو عَلَى سُحِبٍ
أَمْطَرَتْ، وَالدَّمْعُ قَدْ سُكِبَا
رَاقِعًا بِالْصَّوْتِ سَامِعَهُ
وبِأَنِّ الْآهِ عَبْرَ حَبَا(٤٥)
بَادَلَ الْعُشَّاقَ نَكْبَتَه
ونَعَى الْعِشْقَ الَّذِي انْشَطَبَا
وأَسِيفًا خَارَ مُضَّرَجًا
بِدَمٍ لِلْعِشْقِ مُخْتَضِبَا
بَلِّغُوا يَا نَاسُ كَارِثَتِي
عَنْ ذِرَاعِي ذَا الْحَبِيبُ نَبَا(٤٦)
جِئْتُ بِالْآهَاتِ أُنْبِئُكُمْ؛
مُلْهِمِي في بُعْدِهِ غَرَبَا(٤٧)
بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ قُبَلًا
تُبْعِدوُا هَجْرًا إِلَيْهِ طَبَى(٤٨)
نَحْوَهُ قَلْبِي عَلَى سَفَرٍ
وفُؤَادِي غَيْمةً رَكِبَا
أَمَلِي في شَاطِئَيْهِ رُغًى
والتَّمَنِّي وَجْهُهُ شَحَبَا(٤٩)
مَرَّ دَهْرٌ، وَاللِّقَاءُ عَلَى
حِنْثِهِ بِالْعَهْدِ قَدْ وَظَبَا
لَمْ يَكُنْ ذَا الْبُعْدُ مُنْيَتَنَا
والتَّنَائِي لَمْ يَكُنْ أَرَبَا
لَمْ يَكُنْ هَذَا الْغَرَامُ كَمَا
يَنْبَغِي لَوْ نَشتَهي رُغُبَا(٥٠)
ضَاعَ هَذَا الْقَلْبُ أَجْلَ سُدًى
وعَلَى أَحْزَانِهِ وَكَبَا(٥١)
بُدَّةُ الْعُشَّاقِ وَهْمُ مُنَى
إِنْ أَصَابُوا حُلْمَهُمْ هَرَبَا(٥٢)
يَا فُؤَادِي الْفَرْدَ وَا أَسَفًا
حَلَّ إِعْدَامٌ لِتَحْتَسِبَا(٥٣)
دَعْ قِمَارَ الْعِشْقِ عَنْكَ، وَدَعْ
عَنْكَ وَهْمًا خَادِعًا كَذِبَا
قَدْكَ بُؤْسًا فُرْقَةٌ أَبَدَتْ
أَوْ مَكَانٌ عَامِرٌ عَزَبَا(٥٤)
كَمْ رِهَانٍ كُنْتَ مُعْجِلَهُ
والتَّرَوِّي مَا بِهِ نَحَبَا!(٥٥)
فَرَّ مِنَّا الْأُنْسُ صَارَ لَغًا
بِالنَّوَى، وَالْعُمْرُ قَدْ نُهِبَا(٥٦)
لَا رَفِيقٌ في طَرِيقِ هَوًى
لَا أَصِيلٌ يُنْجِدُ الْغُرَبَا(٥٧)
يَا خَدِينَ الْأَمْسِ قَبْلَ غَدٍ
لَا أَسًى أَنْ صِرْتَ مُجْتَنِبَا
يَا جِدَارَ الصَّبْرِ يَا سَنَدًا
هَلْ تُؤَوِّي الْيَوْمَ مُغْتَرَبَا؟
كَمْ جِدَارٍ بِتُّ أَقْصِدُهُ
إِنْ أَوَانِيهِ ادَّعِي نَسَبَا!(٥٨)
عَدَّ أَمْرِي في وِصَايَتِهِ
ظَنَّنِي ضَيْفًا بِهِ عُصِبًا(٥٩)
مُدَّعٍ هَذَا الْجِدَارُ عَلَى
مَنْ إِلَى أَرْكَانِهِ جَنِبَا(٦٠)
جَسَّ مِنِّي الْحُزْنَ خَايَلَني
أَتَدَاعَى مِثْلَهُ خَرِبَا(٦١)
ظَنَّنِي قَدْ إِلْتُ نَحْوَ هُوً
إِذْ رَأَني مُوحِشًا تَرِبًا(٦٢)
ظَنَّنِي! وَالظَّنُّ حَيْثُ دَوَى
إِثْمُهُ الْبِكْرُ الَّذِي اصْطَحَبَا
غُلَّ رَأْسِي مُذُ تَكِئْتُ عَلَى
سَنَدِي الْمَشْرُوطِ مُكْتَرِبَا(٦٣)
بَثَّنِي مَوْجَ الْهُمُومِ، مَتَى
كُنْتُ في شُطْآنِهِ كُثُبَا؟!(٦٤)
مُرْغَمًا أُصْغِي لِشَكْوَتِهِ
غَارِقًا في هَمِّهِ دَأَبَا
هَلْ جَلَبْتُ الْعَوْنَ مِنْهُ مَتَى
قُلْتُ: (غِثْنِي)، أَمْ هُوْ اجْتَلَبَا؟!
هَلْ جَلَبْتُ الْعَارَ مُنْذُ مَتَى
رُمْتُ غَيْرًا أَمْ لِيَ انْتُجِبَا؟(٦٥)
صَارَ عُكَّازًا بِهَا أَزَلًا
وسْوَسَ الشَّيْطَانُ أَوْ صَخِبَا
وسَعَتْ حَيَّاتُهُ، وَأَنَا
أَرْتَمِي في حِجْرِهِ تَعِبَا
لَمْ يُطِبْ طَعْنَاتِ دَهْرِيَ بَلْ
بَدَلًا أَلْأَمْتُهُ النَّدَبَا(٦٦)
دَانَنِي مِنْ سُحْتِ مُتَّكَأٍ
والْوَفَا بِالدَّيْنِ قَدْ قَرُبَا(٦٧)
وقَضَاءُ الدَّيْنِ مَوْتُ فَمِي
واسْتِمَاعِي عَائِدَاتُ رِبَا(٦٨)
بَاتَ كَوْمِي التَّلُ مُؤْنِسَهُ
وعَلَى الْإِنْصَاتِ مُنْسَحِبَا(٦٩)
ضِاقَ ذَرْعِي، لَا مِرَاءَ، بِهِ
نَفَسِي في أَضْلُعِي انْقَضَبَا(٧٠)
ونَوَى قَلْبِي الرَّحِيلَ إِذَا
مَا رَأَى مِنْ هِجْرَتِي أُهُبَا(٧١)
لَا يَعِي بَيْنَ الرَّحَالِ سِوَى
خَيْطِ ضَوْءٍ طَرْفَهُ جَذَبَا
ضَجَّ مِنْ أَمْرِي الْجِدَارُ، وَمَا
أَسْعَفَتْ أَطْلَالُهُ غَضَبَا
لَا أُبَالِي مِنْهُ زَمْجَرَةً
لِغُرَابٍ حِينَمَا نَعَبَا
هَزَّني؛ وَالْجِذْعُ طَوَّحَهُ
نَخْلَتِي مَا أَسْقَطَتْ رُطَبَا
لَامَ قَلْبِي في مُفَارَقَةٍ
إِنْ تَرَاءَتْ نِيَّتِي غَضِبَا
تَرَكَ الْحَيَّاتِ سَائِبَةً
بَيْنَمَا مَرْبُوطَهُ ضَرَبَا(٧٢)
وتَنَامَى شَزْرُهُ حَنَقًا
واسْتَحَدَّ النَّابَ وَالشَّنَبَا(٧٣)
خَالَنِي في الْحِلِّ تَابِعَهُ
خَالَنِي مِنْ نَفْسِهِ ذَنَبَا(٧٤)
بَهْلَوَانًا يَسْتَمِيلُ عَلَى
حَبْلِهِ أَمْشِي كَمَا رَغِبَا
صَاحِبًا في السِّجْنِ مُبْتَئِسًا
دَائِمًا في حُلْمِهِ صُلِبَا
طَالَ مَا يَحْجُو نَدَى كَرَمِي
حَقَّهُ الْمِلْكَ الَّذِي اكْتَسَبَا(٧٥)
فَرْخَةً بَاضَتْ لَهُ ذَهَبَا
ضَرْعَهُ إِنْ شَاءَهُ احْتَلَبَا
حَازَ صَدْرِي مِنْهُ غَائِرَةً
وسُيُوفًا جُوَّعًا رُسُبَا(٧٦)
يَا لَعَارِ الْمَرْءِ أَيْنَ رَأَى
حَقَّهُ الشَّرْعِيَّ مُغْتَصَبَا!
حُلَّ عَنِّي يَا جِدَارُ فَلَمْ
أَكُ لِلْجُدْرَانِ مُنْتَسِبَا
مَا لِعَبْدٍ قَطُّ، أَحْسَبُنِي،
كُنْتُ كالْعِتْقِ الَّذِي ارْتُغِبَا
ومَتَى أَنْوِ الْمَقَامَ عَلَى
وهَنٍ بِي أَنْتَوِ الْهَرَبَا
كَائِنًا مَا كَانَ أَهْجُرُهُ
فِطْرَتِي مِنْهَا الْخَسِيسُ جَبَا(٧٧)
طَيِّبٌ عِنْدَ اللُّزُومِ، وَإِنْ
مُسَّ ظِلِّي قُمْتُ مُحْتَرِبَا(٧٨)
فَاتِكًا بِاللَّيْثِ في عُرُنٍ
قَاتِلًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَثِبَا
يَا طُفَيْلَ الرُّوحِ مَعْذَرَةً
فَكِيَانِي لَيْسَ مُنْتَهَبَا
مُحْكَمٌ غَلْقِي طَرَقْتَ عَلَى
بَابِ أَسْرَارِي وَلَنْ تَلِبَا(٧٩)
تَشْتَهِي الْأَسْرَارَ مِنْ دَرَكِي
جَائِعًا في سَغْبَةٍ سَغِبَا(٨٠)
دُونَهُ الْأعْناقُ؛ نَبْسُ فَمِي
ودِمَاءٌ طَالَتِ الرُّكَبَا(٨١)
مُحْكَمٌ صَدْرِي كَمَقْبَرَةٍ
مَا لِحَيٍّ بَطْنَهُ بَعَجَا(٨٢)
إِنَّمَا الْأَقْفَالُ مُقْفَلَةٌ
عُلَبِي قَدْ حُوِّطَتْ عُلَبَا
ارْتَشِفْ مَا شِئْتَ، مُصَّ دَمِي
مَا يَطِمُّ الْبِئْرَ غَيْرُ كِبَا(٨٣)
عُبَّني؛ فَالْكَأْسُ فَارِغَةٌ
مَا بِهَا شَيْءٌ لِيَنْسَكِبَا
تَسْتَقِي الْأَنْيَابُ مَا بَلَغَتْ
عُمْقَ أَرْضِي الثَّائِرَ الْحَرِبَا(٨٤)
فَاجْتَنِبْ شَرِّي وَغَنِّ لَهُ؛
سَلِمَ الْمِسْكِينُ إنْ رَهِبَا(٨٥)
إِنَّنِي شَرُّ الْمَنِيَّةِ مَنْ
ذَاقَ ذِكْرِي فَزَّ وَانْتَصَبَا(٨٦)
هَرَمٌ ظَلَّتْ ذُؤَابَتُهُ
في عُلُوٍّ، فَالسُّمُوَّ قَبَى(٨٧)
تَمْكُثُ الْأَبْصَارُ شَاخِصَةً
لَمْ يحَرِّكْ هَوْلُهُ الْهُدُبَا(٨٨)
ويْكَ يَا قَلْبِي خُلَاصَةُ مَا
بُحْتُ بِالتَّلْمِيحِ قَدْ هُلِبَا(٨٩)
أَنْثُرُ الْأَفْكَارَ يَسْرِقُهَا
مَنْ تَدَاعَى سَيْفُهُ جَرَبَا(٩٠)
كَمْ أَعَادُوا في حِيَاكَتِهَا!
أَلْبَسُوهَا الدُّرَّ وَالْقَصَبَا(٩١)
دَعْكَ مِنْ لَوْمِ الْأَنَامِ، وَلَ
تَسْتَحِثَّ الْهَمَّ، وَالشِّجَبَا(٩٢)
طِرْ وَدَعْهُمْ يَفْرَحُونَ فَقَدْ
حَصَدُوا مِنْ دُونِنَا زَغَبَا(٩٣)
كُلَّما غُلُّوا نُتِيحُ لَهُمْ
لَا يُضِرُّ الشَّاةَ مَنْ حَلَبَا(٩٤)
فُهْتُ من بَخْسِ الْكَلَامِ، وَمَا
قَدْ تَوَارَى عَنْهُمُ خَصِبَا
كُفَّ يَا قَلْبي وَكُنْ رَجُلًا
صِرْتَ عنْ ذَا اللَّومِ مُنْتَدَبَا
تُهْتَ يَا قَلْبِي، وَقُلْتَ: (أَلَمْ
نُمْتَحَنْ، وَالْعِشْقُ قَدْ رَسَبَا؟
وتَدَاعَى فَوْقَنَا بَشَرٌ
طُهْرُنَا مِنْ نَابِهِمْ خُدِبَا(٩٥)
هَلْ سُحِرْنَا أَمْ سَحَرْتَ لَنَا
أَمْ عَلَيْنَا سِحْرُنَا قُلِبَا؟)
ضَرْبَةٌ أُخْرَى بَسَوْطِكَ قَدْ
خَابَ ظَنِّي في الَّذِي لَحَبَا(٩٦)
طَعْنَةٌ أُخْرَى وَفُزْتَ بِهَا
إِنْ تَسَلْنِي أَسْتَعِرْ صَهَبَا(٩٧)
قُلْتُ: (صَهْ يَا قَلْبُ وَيْكَ صَهٍ
هِ، وَلَكِنْ لَا تَكُنْ شَجِبَا(٩٨)
كَمْ، وَكَيْدُ السِّحْرِ مُنْقَلِبٌ
أَعْكِسُ السِّحْرَ الَّذِي انْقَلَبَا!
دَعْ فَمِي وَالشِّعْرَ؛ تَلْقَ بِنَا
أُمَمًا ذَوَّاقَةً شُعَبَا(٩٩)
كُفَّ لَا تَبْكِ الْفُتُورَ إِذَا
أَغْفَلَ الْأَقْوَامُ مُكْتَتَبَا(١٠٠)
لَوْ زَمَانٌ غَيْرُ ذَاكَ أَتَى
رُبَّمَا وَقَّيْتُكَ الْجَدَبَا(١٠١)
في زَمَانٍ غَيْرِ ذَا سَتَرَى
بَوْحَ شِعْرِي يُنْصِتُ الْعَرَبَا(١٠٢)
كُفَّ لَا تَطْرِفْ لِغَيْرِكَ مَا
غَيْرُنا أَهْلٌ لِنَعْتَصِبَا(١٠٣)
لَنْ تَرَى إِلَّا الْعَبِيدَ بِهِمْ
لِأُنَاسٍ ذَوْقُهُمْ عَطِبَا
دَبَّجُوا شِعْرًا يَحِقُّ عَلَى
حُسْنِهِ أَنْ يَسْكُنَ التُّرَبَا
كَفَّ لَا تَبْكِ الْغَرَامَ فَلَا
حِيلَةٌ إِنْ أَمْرُنَا حَزَبَا(١٠٤)
تائهٌ يَا قَلْبُ بَيْنَ مَلَا
ولَهِيبُ الشَّمْسِ فِيكَ ضَبَا(١٠٥)
لَاهِبٌ وَالْآلُ يُوهِمُنَا
فَارَقَتْ أَمْوَاهُكَ الْقِرَبَا(١٠٦)
سَائِرٌ، وَالْوَهْمُ يَعْبُرُنَا
سَائِرٌ، وَالْخُفُّ قَدْ نَقِبَا(١٠٧)
لَا نَهَايَاتٌ، وَلَا صِلَةٌ،
تَائِهٌ، وَالظَّهْرُ قَدْ حَدِبَا(١٠٨)
لَمْ يَعُدْ مَا يَسْتَحِقُّ بُكَا
عِنْدَنَا، وَالْعُمْرُ قَدْ لَحِبَا(١٠٩)
نَلْتَقي شَرَّ الْهَوانِ بِهِ
وفَضَاءً غَائِمًا ضَبِبَا(١١٠)
مَاتَ مَا تَرْجُوهُ يَوْمَ غَدَا
أَمَلِي الْمَكْبُوتُ مُرْتَعِبَا
صُبَّةٌ في اللَّيْلِ تَكْبُدُنَا
صُبَّةٌ قَدْ أَتْبَعَتْ صُبَبَا(١١١)
إِنَّنِي يَا صَاحِبِي مَعَ مَا
قُلْتَهُ؛ فَاصْمُدْ لِمَا كَرَبا(١١٢)
مَا عَهِدْتُ الْهُونَ في وَجَعِي
كَمْ دَنَا مَجْدٌ لِمَنْ طَلَبَا!(١١٣)
فَاصْطَبِرْ يَا قَلْبُ وَابْقَ مَعِي
أَمْ تُجَافِي مِثْلَ مَنْ جَنُبَا؟(١١٤)
انْتَظِرْ عِلْمَ الْوُصُولِ لَنَا
انْتَظِرْ أَوْ ظَلَّ مُرْتَقِبَا
واحْسُبِ الْأَيَّامَ؛ بَائِسَهَا
بَلْ وَزِدْ، كَمْ ضَلَّ مَنْ حَسَبَا!
أَوَلَمْ تَرْضَ الْمُضِيَ مَعِي
إِنْ حَنَا ذَا الدَّرْبُ أَوْ غَصَبَا؟
آهِ لَمْ يُغْنِ الْجِوَارُ مَعًا
نَاقِمًا؛ بِالسُّوءِ قَدْ قَشَبَا(١١٥)
لَمْ يُبَكِّ الْغَيرُ غَرْبِيَ بَلْ
مِنْكَ عُمْرِي بِالْبُكَا خَضَبَا(١١٦)
ذَا فِرَاقٌ لَا عَلَيْكَ؛ فَمَا
بَيْنَنَا مِنْ صَالِحٍ قُضِبَا(١١٧)
رَقَمًا كَانَ الْوُصوُلُ عَلَى
مَنْ يُحَاكِي خَطْوَتِي صَعُبَا)(١١٨)