صَحَا ليلُهُ بالشَّيب واربدَّ جانِبُهْ
وشَطَّت إلى المجهولِ ظُلماً رغائِبُهْ
وما كانَ في الأقرانِ خَبَّاً ولا ارتضَى
من الكَدِر الضَّحضاحِ، والصّبرُ حازِبُهْ
لهُ الظَمَأُ المنسوبُ ما اشتطَّ والغٌ
وما زاحمَ الوُرّادَ؛ إن عبَّ شارِبُهْ
ولكنَّها الأيامُ مَرَّت حَفيّةً
أنالَتْهُ ما قاسَى، وألوَتْ تُعاتبُهْ
فلا تُنكري شَجواً وأوهامَ غُربةٍ
طواها، وذُو الأوهامِ صَرحٌ عجائبُهْ
ولا تَعتبي ما انحاشَ رغماً إلى النَّوى
فما حِيلةُ المَحزون ضَجَّت غوارِبُهْ؟!
تحمَّلها في القَهر عِشرينَ حجَّةً
وعشرينَ أخرى، والسّنينُ نجائبُهْ!!
فلا يَنثَني في القُرب يُبدي له النّوى
ولا ينثني في البَين...، والعُمر نادبُهْ!
هو الصَّبرُ، قد مادَ الفؤادُ بحرفِهِ
على سَوْرَةِ الأيام، هَمّاً يُجاوبُهْ
يقولُ لَهُ: في العَسفِ قد كُنتَ مُتلفي
أيا صَاحِباً بالجَنْبِ مُدَّت سَباسِبُهْ!
عَلَلْتُ مِن الآهاتِ ما كُنتَ تَشتهي
فهلاّ أدرتَ الكاسَ؟!! للكاسِ شاربُهْ!
فهذي -أبيتَ اللَّعن!- كَفِّي ومِذوَدي
وجسمٌ بَراهُ الحُزنُ، حَطَّت رَكائبُهْ!
أتيتُ قريح الجَفن.. شَملي مُبدَّدٌ
وجئتَ قَرِيرَ العَين، أَلوَت كتائبُهْ
وكنتُ رهيفَ الحِسّ.. أهفُو لِخَفقةٍ
وكنتَ شديدَ البَاسِ، تَفرِي نوائبُهْ
هو الصَّبرُ، والأيامُ حُبلى بأمرِهِ
تُقلِّبُ جمرَ الرُّوح، أضوَتْ سَحائبُهْ
رأيتُ حُدُودَ الصَّبر، والصَّبرُ طَالبي
فويحٌ لهذا القلب.. قَد عَزَّ طالبُهْ!