كالغيمِ هيّج شوقَ العشبِ وانصرفا
كالجمرِ أيقظَ دفْءَ الليلِ ثم غفا
كالشِّعرِ صبَّ على (القيثارِ) خمرتَه
حتى إذا سكِرتْ أوتارُه انقصفا
أنا وأنتِ، وما بين الرِّغابِ هوًى
لاثنينِ ما اختلفا يومًا ولا ائتلفا!
توافيا في طريقٍ – والطريقُ لها
أُذْنانِ- فاشتعلا أنْسًا وما اقترفا
فذابَ أولُنا في الأفْقِ منكسرًا
واندسَّ آخرُنا في الصمتِ مرتجفا
وبيننا السدُّ، لا يأجوجُ رغبتِنا
تَسْطِيعُ نقْبًا، ولا يندكُّ منجرِفا
لكنّ عندكِ من أهوائنا طرَفًا
فأحكِميه، فإني ممْسِكٌ طرفا
وقد نكرِّرُ يومًا ضوءَنا وعسى
أن نلتقي مثلَ لُقيانا التي...؟ وكفى
كوني (سُراقةَ) هذا العُمْرِ واتخذي
سِوارَ كِسْراكِ من دون المنى هدفا
وفصّلي الوقتَ فانوسينِ ما حملا
إلا سنًا من بلاطِ الشمسِ مختطَفا
ولا تبالي بأدغالِ الرياحِ ولا
ما خبّأ الزمنُ المَوْتُورُ أو قذفا
فربّما غيّر الإعصارُ نيَّتَه
فمشّطتْ كفُّه الأغصانَ والسعَفا
وحسبُنا في اكتهالِ الوقتِ أن لنا
فألًا ندلّلُ فيه الحبَّ والشغفا
يا ربّ لا تُعطني نَعماءَ منصرِفٍ
عن البهاءِ، فلو لم يَعْمَ ما انصرفا
حيرانَ، ملتبِسَ الفحوى، كمتّهمٍ
تورّمتْ وَجْنتاه ساعةَ اعترفا
لم يرتجفْ نبضُه يومًا على نُطَفٍ
من اليقينِ، ولم يعبَأ بمن رَجفا
ولم يُهَيِّئْ لخدِّ الشمسِ قُبلتَه
ولا ارتقى في جذوعِ الحُلْمِ واخترفا
وسار في الروضِ لم يَقرأْ مفاتنَه
ومرَّ بالنهَرِ الحاني وما اغترفا
مهشَّمًا كبقايا الجمرِ مرتقبًا
فناءَه، برمادِ اليأسِ ملتحفا
أنا وأنتِ على نجمينِ قد عبَرا
يومًا بمُنعَطَفِ الأفلاكِ فانعطفا
وهيّآ من تكايا الكونِ مُتّكَأً
ورفْرَفًا عبقريَّ الحسنِ مختلفا
فالأرضُ منّا على ضوءٍ نرتِّبُه
شُهْبًا، ونوقظُ من في الرازحين غفا
هنا نخمِّرُ ياقوتَ الشموسِ، هنا
نبني لكلِّ مُنًى نجميّةٍ غرَفا
ميلادُنا الآن، هذا بعضُنا أزلٌ
وبعضُنا ذبح الميعادَ وانحرفا
للضوءِ ناموسُه المبتلُّ أسئلةً
(متى وكيف وأنّى؟) بعدُ ما نشفا
والواقفون على أعرافِه مكثوا
يباهِلونَ سناهُ أنه عُرِفا