إلى الجهل حِلْماً قد دعتك المنازلُ
وكيف صِباكَ الآن والشيبُ شاملُ
منازلُ قد كانت سليمى تحلُّها
ألا حبذا سلمى وتلك المنازل
منازلُ قد كانت سروراً وبهجةً
وكلُّ سرورٍ لا محالةَ زائل
قفا واسألاها عن سليمى فإن يكن
ضلالاً فإني عن سليْمى لسائل
أسائلها والعينُ تجري دموعها
وفي القلب شغلٌ للمحبين شاغل
فمن لامَ مشتاقاً بكى لمعاهدٍ
عفتْها السَّوافي بعده والهواطل
ولأياً بدت بعد التنكُّر آيُها
كخطِّ زبورٍ فَهْوَ للحب جاهل
فما أنسَ لا أنسى وإن لام في الهوى
حميمٌ وَلامتْ في البكاء العواذل
لياليَ سلمى إذ يلذُّ حديثها
ومنظرها كالبدر والبدر ناصل
وتخطو بخلْخالَين ناما ومِرْطُها
يضيق عليها وهْو في النسْجِ كامل
وترنو بعيَنْي مُطْفلٍ رِيعَ سِرْبُها
فنارَ ونصَّت وانثنتْ فهْي خاذل
هي الشبْهُ إلا أن سلمى مليحةٌ
وفي جيدها التّقْصار والريمُ عاطل
لئن بعدت سلمى وشطَّ مزارُها
ومن دونها هولٌ أتى لك هائل
ستُدْني سليمَى منك عَنْسٌ جلالةٌ
مذكَّرةٌ علباءُ وَجْناءُ بازل
مفرّجةٌ مَهْريَّةٌ شدْقمِيَّةٌ
تقاصَرُ عنها في المضيق الرواحل
وتهوِي إذا كلَّت هُويَّ فَتيَّةٍ
نحوصٍ حديثاً سالمتها المساحل
فلا عَيْرَ تقفوهُ ولا جحشَ خلفَها
وما زاحمْتها نصفَ حولٍ حلائل
رعتْ بارِضَ الوسميِّ تتبع أنفَها
إذا اخشوشَن الجاسي دعتها المسائل
رعتْ ما رعتْ جَزْءاً فطار عِفاؤُها
تمزِّقه وسْط المراعي الشمائل
فطوراً به تعدو وطَوْراً تُطيره
على سَرَوات النَّبْتِ ما منه طائل
فما راعها إلا سَمومٌ تنفَّستْ
ونجمُ الثريا من سنا الصبحِ خامل
فظلت تسوف البقلَ ثم تعافه
وما انفتحتْ منها إليه الجحافل
بذي يوم نحسٍ مستمرٍّ سُعودُه
إلى أن تولّى غالها عنه غائل
فبالأكل ما همَّتْ وبالماء همُّها
وفي الزَّرْبِ حول الماء تخشاه نابل
وباتت بِهَمٍّ ما يقرُّ قرارُها
عليها الدواهي قد قضتْ والبلابل
بمظلمةٍ ليلاءَ ما غاب نحسها
إلى أن دعاها الماءُ والليل شامل
فجالت وما تنفكُّ تُكسَى مُلاءةً
تحوكُ تواليها وتُسْدي الأوائل
إذا أسْهلتْ مدَّتْ وإن هي أحزنَتْ
طوتْها وشدَّتْ للهضاب الذَّوابل
ذوابلُ سُمْرٌ رُكّبتْ في قوائمٍ
قوائمَ لا تخشى عليها الأباجل
وباتت تشبُّ المعزُ نارَ حُباحبٍ
وترفضَّ من وقْع الحوامي الجنادل
فخاضت مع الإصباح عيناً تحفُّها
أصولُ غَضىً منها صريعٌ ومائل
ففرَّتْ وكرَّتْ رغبةً ومهابةً
وما قلبُ مَنْ تخشى عن الصيد غافلُ
من المال محرومٌ ولا بيتَ حوله
وما رأيه في غِرَّةِ الصيْدِ فائل
فلا مالَ إلا قوسُهُ وكِنانةٌ
توارثَها عن جدِّه وحَبائل
ترعرع يأْدو والعَبيطُ طعامُه
وفي لِيْتِ من يأوِي إليها الثَّآلِل
كريهُ المحيا مختفٍ في قَتيرةٍ
مُخضَّبَةٌ أسمالُه والأنامِل
له صِبيةٌ باسمِ المهيمِنِ سبعةٌ
وأعظمُها هاماتها والحواصل
رآها وفي يُسراه كَبْداءُ نَبْعَةٌ
فَشَدَّ عليها وهْوَ للرمي مائل
فأمهلَها والصبحُ بَيَّنَ شخصَها
وقد ظهرتْ أوصالها والمفاصِل
تعالجُ بالماء الغليلَ ونفسُه
يجودُ بها إذْ أمكنتْهُ المقاتل
فلما استقرَّتْ واطمأنَّ ضميرُها
وقالت له الأطماع إنك قاتل
رماها بسهمٍ راشَهُ عن مُرِنَّةٍ
فحادَ وولَّتْ لم تخنْها العوامل
صروفُ الليالي لم تفتْه الجنادلُ
ولا وَأَلَتْ منها تميمٌ ووائل
فإن يكُ دهرٌ قد تلَّون إننا
لمَا قال فينا سيِّئاً قطُّ قائل
بَنَى المجد آباءٌ لنا قد تقدّمتْ
ونحن سماء المجد نحن المحافل
وشمسُ سماء المجد باذل جدِّنا
وبدر الليالي التِّمِّ إذْ ذاك باذل
وما الناس إلا طارفٌ وابن طارفٍ
وخَلْفٌ وأخلافٌ ونحن الأوائل
لواء المعالي والمكارم عندنا
إذا مات منا حاملٌ قام حامل
وإنا إذا هبَّتْ شمالٌ بجَعْجَعٍ
وشحَّت أكفُّ المزْنِ نحن الأفاضل
لنا العزُّ أين العزُّ إن لم يكن لنا؟
قُصَيٌّ أبونا جدُّنا المتطاول
قريشٌ ومن يُعْزَى لرهطِ محمدٍ
مع الدين لا تسأل سعيدٌ وكامل