بَكاكَ أهلُ الهُدَى والعِلم والأدبِ
يا راحلاً ما اعتنى باللهو والطربِ
بل صاحبَ الجدَّ مُسْتلاً مُهندَهُ
وثارَ بالشعر والتوجيهِ والخطب
صاغ القريضَ ، وعانى في صِياغته
ومَن يُعانِ فبالتوفيق يَختضِب
بالشعر كم نافح المِقدامُ عن قِيَم
لولاه قاستْ مِن التهميش والعَطب
وكم بما أوتيَ العملاقُ فاجأنا
بطيِّب الشعر جَمِّ الفيدِ والطرب
(البابطينُ) له سَمْتٌ ومدرسة
في الشعر حازا جميلَ الوصف واللقب
لم تُنسِهِ كثرةُ الأعمال كُلّفها
عمَّا تُكابدُه الأشعارُ مِن نصب
صَدَّ الحداثة ، حتى ضَجَّ باطلها
مؤسِّسَاً عُصبة مِن خِيرة النخَب
وخَصَّ مَن نبغوا بخير جائزةٍ
كانت مَناراً لأهل العِلم والأدب
واليومَ يرحلُ مَن مِنا سيخلفه؟
ومَن سيُمْدِدْ - إلى عَلياه - بالسَّبب؟
وَجْعى تشيعُهُ الدُّموعُ ساجمة
وبالقلوب جَوىً مِن شِدة الوَصب
مَن للقريض إذا ما (البابطين) قضى؟
بات المُحِبُّون في مَرثية الكُرَب
يبكون فارسهم في هول مصطدم
إن العَزا في قريض الفارس الضَّرِب
(بوحُ البوادي) يُعزيهم ويَعذرهم
ويَبعثُ البأسَ في أعصاب مُحتسِب
إن (المسافر في القفار) كبشُ فَدا
لهاجس شط بين الشك والرِّيَب
و(أغنياتُ الفيافي) تستكينُ لِما
قال القريضُ مِن التوبيخ والعَتب
و(معجمُ الشُّعَرا) ضاءتْ تراجمُهُ
ما يَجهلُ الناسُ مِن عُجْم ومِن عَرَب
سبعون عاماً مع الأشعار يَنظِمُها
كأن بينهما علائقُ النسَب
حاز الجوائزَ تترى دونما عَددٍ
أغلى مِن المال والياقوت والذهب
والجامعاتُ حَبتْهُ المَكرُماتِ ، لها
صِيتٌ وعَتْه البرايا غيرُ مُحتجِب
والأمسياتُ به بين الورى فخرَتْ
وقدَّرتْ جُهدَه المَبذولَ عن كَثب
وكرَّمتْه اتحاداتٌ دَعَتْهُ إلى
دَور الأمير لها ، فكان خيرَ أب
ورشَّحتْهُ جهاتٌ عَز سُؤدَدُها
حتى يُمَثلها مِن سالف الحِقب
عليه رحمة ربِّ الناس ما طلعتْ
شمسٌ ، وخامرَ غيثٌ مَوئلَ السُّحُب