أيا دهْرُ كَمْ هذا الأذَى والتحِاملُ
أبَيْنَك يا هذا وبيني طَوائِلُ
تُردِّدُني ما بَيْنَ حِلٍّ ورحْلةٍ
فلا أنت مُحْيي لي ولا أنت قائلُ
لقد بَسطَتْ فيَّ الرزايا أكفَّها
وقد فغرَتْ أفواهُها لي الغَوائلُ
وقد أيْقَنَتْ نفسي بأن أقل ما
أقاسيه منه الطود لا شك زائلُ
فلا حُزنَ إلا نجمه لي طالع
ولا أنْسَ إلا هابط النجم آفل
ولا نار إلا مِنْ حشاي أجيجُها
ولا ماء إلا من جفوني سائل
فَقدْتُ الأولى كانوا المعاقل في الصبا
وإذ أنا في قيد الطفولة حاجل
وأصبحت من بؤس وأسر وذلة
غريق بحار ما لهن سواحل
وسايرت قوما لم تزل لي صدورهم
من الغيظ والبغضاء تغلي المراجل
وما زلت أسْعى بين حل ورحلة
إلى أن أبي مَسْرَاي لي والمرَاحلُ
أهاجر في الآفاق والأُنسُ هاجري
أواصل سَيْراً والجَوَي لي مُواصل
على ذا مَضَى طِيبُ الشباب ويومه
وقد نزل الشيب الذي هو نازل
وما كان لي في الأرض إلا مؤانس
يصاحِبني في العُسر واليسر كافِل
فبتت صروف الدهر عني حباله
فقد نصبت للحادثات حبائل
وبتُّ ما في الأرض مثلي واجِمُ
وليس كمثلي في التحرق ثاكل
ألا قل لمن واراه في قبره الثرى
وأدمعنا حَرَّي عليه هوامل
لَئِنْ أقفرت يا صاح منك ديارنا
فقلبيَ من ذكراك والله آهل
وإن كُنْتَ عني قد شغلت فإنما
بفقدك لي شغل عن الخلق شاغل
وإن كُنْتَ قد أغفلتَ ودي هكذا
فقلبي إلا عن ودادك غافل
أيوجب حسن العهد ما أنت صانِعٌ
ويَفعَلُ أَهلُ الود ما أنت فاعل
معاذا إلهي ما عليك ملامة
وما أنت عن عهد الأحبة حائل
ولا مشتكى إلا من الدهر إنه
لتصدر حقا عنه هذى الرذائل
هو الدهر مر حلوه ومآتم
مداعيه طرا والمُحَامي مقاتل
خساس عطاياه حقار هِبَاتُه
وأيامه إمَّا اعْتَبَرْت قلائل
فإن يك منه الشر عم فإنما
بأعظمه خُصَّ الرجالُ الأفاضل
له الحكم في جسمي الذي هو ربه
ألا فلينل منه الذي هو نائل
ونفسي لها أعلى الذرى فمتى ابْتَغَى
تناولَها بالخسف أَعْيَى التناول
فإن لها من عالم القدس مركزا
ومنزلةً تَنْحَطُّ عنها المَنَازِل
وإن لها من آل طه وسيلةً
إلى الله يا لله تلك الوسائل
فَظِل الإمام الفاطمي يَحُوطُها
وَتكْنُفُها منه أَيَادٍ جَزَائِلُ
إمام نفوس الخلق طُرّاً تَهَابُه
وما إن له صِدْقا سوى الله كافِلُ
إمام كبار العالمين صغاره
وكل الأعالي من عُلاه أَسَافِلُ
إِمامٌ هو البحر المحيط وكل من
سواه إليه بالقياس جداول
إمامٌ به لاذ البريةُ كلُّهم
إذا نَابَهُم هَوْلٌ من الدهر هَائِل
تخر لذكراه الملائك سُجَّدا
كما لاسْمِه في الأرض تَعنُو القبائل
رضاه من الرحمن رَوْحٌ ورحمة
كما الخَسْف حقا سُخْطُه والزلازل
هو السيد المستنصر الماجد الذي
يُحَق به حَقٌ ويبطل باطل
هو البيت بيت للآله مقدس
وسيف لهام الكفر والشرك فاصل
هو الوجه وجه الله والجنب جنبه
من الوحي قد قامت عليه الدلائل
أيا ابن رسول الله وابن وصيه
ومَنْ لم تَضَعْ في الأرض مثلك حامل
ويا من به بأس الهداية صائل
ويا من به ذكر الضلالة خامل
ويا عصمة للحق تُفْضي أواخر
إليها كما تفضي إليها أوائل
لمولاك ريحان وَروْحٌ وجنَّة
كما للعدى أغْلالُها والسلاسل
فداك ابن موسى غرس إنعامك الذي
له كل يوم منه طَلُّ ووابل
أعِنِّي أمير المؤمنين بقوةٍ
أدَافع عن نفسي بها وأنَاضِل
أنَاضِل دهرا هَدَّ عزمي صَرْفُه
فكم ذا لقلبي مِنْ أذَاه بَلابل
ألا ليت شعري هل أبِيتَنَّ ليلة
خَلياً وقد بلغت ما أنا آمل
فأشْفِي غليلا أم أرَاني راحلا
بُغصَّةِ صدري لم أنل ما أحاول
عجبتُ لموحٍ لي بحسن تماسك
وبين ضلوعي عِلْمُها وهو جاهل
ولو كان لي قلب يصيخُ لقوله
لكان ليَ البُشْرى لأني عاقل
فيا صاحبي ما أنت والله ناصح
ويا عاذلي ما أنت والله عاذل
وما والج في مسمعي نُصحُ ناصح
ولا قابل قلبي لما هو قائل
عسى أن يَمُدَّ الله لي منه رحمة
فيحمد منها عاجل لي وآجل