من حيث لا أدري عرضًا تلاقيني
رمتني مقلتان خضراوان
وشفاهٌ كلون الأرجوان
ثم دهشة غشيتني لثوان
سألتُ: من أنتِ؟ من أين جئتِ؟
ولِمَ أنتِ دونَ الغواني؟
كلمةٌ ثم ابتسامةٌ
ثم منَّتني الأماني
لقياها أوهت مني الجوانح
صدفةُ القدرِ وتغييرُ كياني
هكذا دخلتِ بلا إذن
يكاد خافقي يطير
مثل عصفورٍ صغيرٍ في عشِّه يزقزق
قدمتْ أمُّه التي لم يرها من زمان
يطير ليعانقها
ليس حبًّا في الطعام
بل يعانق فيها أسرابَ الحنان
بات قلبي وجِلاً مضطربًا
لم يُغشِ عينيَّ يومها الكرى
القلب يحلم بالمستحيل ثم يصحو
مثل شهيدٍ يستفيق فجأةً في خلْدِ الجنان
يسألني الصاحب: ماذا دهاك؟
أرى محياك وضّاءً بنورٍ
والعيونَ ملأى بالأماني تضيئان
قلت: هيفاءُ فارعةُ القوامِ
آنسةٌ سمراءُ ليست مثلَ كلِّ النساءِ
إذا تبسَّم ثغرُها عُقِدَ من جُمانٍ
يضيء من محياها نورٌ
ويتضوعُ الريحانُ
كلماتها تبهج خافقي الشقي
والعيونُ الخضرُ ليست ساحرةً
بل ساحرتان
فؤادي فيها طربٌ
كأنه أمواجُ الفرات
جاءت من بعيد
تعانق شواطئ العراق
وتنشر الندى، عودةَ نيسان
حين تكلمني أنغامٌ وريَّانُ
لها خالٌ في وسط الجبين
أكتحل به كلَّ يومٍ أجفاني
حبها جمَّل في نفسي كلَّ عناء
أراني كيف أكون ويكون الإنسان
أرى حولي في عتمة الليل نورًا
وردًا وأقحوانًا
أرى دنياي أجملَ من عودةِ نيسان
غريقٌ في هواها
أخذتني على حين غِرَّةٍ دون رهان
ثم بعد حين وجدت نفسي هائمًا
وانفرج عني أعواني
لا ناصحًا يسدي المشورة
"غريقٌ في زحامِ النفيِ..
لا شطٌّ يلمُّ شتاتَ أوردتي
ولا سقفٌ يقي قلبي..
سوى خيباتِ نسياني
غريبٌ.. ضيَّعَ المفتاحَ
والعنوانَ والدربا
فصارَ الفقدُ داري..
والأسى جاري وعنواني
مهلاً ، لست أطيق الهجران
هذا العشقُ أتعبكِ وأشقاني
معذرةً سيدتي
يا فرحةَ عمري، حبُّكِ أفَّلَ وأبكاني
معذرةً فالدهرُ أنستي
لن يبقى على الحدثان
وداعًا ثم وداعًا
كيف أنسى؟ وما بعدَ هذا اليومِ سلوى
وكيف لخافقي أن يودعَ الحورَ الحسان؟
أرثي الذكرى ما حييتُ
ليس في البكاء فقط، بل بتعابير البيان
كلُّ ما في دنيانا آتٍ وذاهب
وذكرى الليالي عبيرٌ تضوع
ويبقى أَسى الحبيبِ في البيان والوجدان
أسى الحبيبِ وغلظةُ الزمان
سأبقى أسيرَ حبكِ والأوهامِ
وكيف للمجنونِ من سلوان؟
حبكِ دفنته هناك في أرض العراق
حيث يستريح الشهيدان غافيان
جئتُ زائرًا بعد عشرين حجةً
فأنكر عودتي، يا للهوان
وقلتُ للنفس:
وداعًا.. وهل يكفي الوداعُ لمن مضى؟
وكيف لخافقي أن يهجرَ الحورَ الحسانْ؟
سأرثي الذكرى ما حييتُ بدمعةٍ
لم تَجْرِ حبرًا، بل دمعَ عينٍ في البيانْ
كلُّ الذي فوقَ البسيطةِ ذاهبٌ
إلا شذى الأيامِ باقيةً في الجَنانْ