تَلُوحُ لِيْ بِالحَاضِرِ الغَائِبِ
كَمَا يَلُوحُ الذَّنْبُ لِلتَّائِبِ
تَسُدُّ ما بَينِي وبَينَ الرُّؤى
كَمَوجَةٍ سُدَّت عَلى قَارِبِ
فَتَارةً تَطفُو عَلى سَائِلي
وتَارةً تَغفُو عَلى رائِبِي
وتَارَةً تَنسَابُ فِي حُرقَتِي
وتَارةً تَخضَلُّ فِي حَاجِبي
وتَارَةً تَغزُو سُكُوني كَمَا
تغزُو الحُمَيّا مُهجَةَ الشّارِبِ
غَريبةُ الأطوار؛ ما سالَمَت
إلاّ وثَارَت ثَورَةَ الغاضِبِ
ولا نَوَت إلاَّ وزَادَ النّوى
وزادَتِ الحَاجَاتُ بِالطَّالِبِ
إنْ جِئتُهَا.. طارَت إلى داخِلِي
وقَلّبَت قَلبِي عَلى قَالِبي
وإنْ طَرَقتُ اليَأسَ عَن نَيلِها
حَامَت بقُربِي؛ غَرَّدَت جَانِبِي
وجَرجَرَتنِي خَلفَ أَصدائِها
وعَرّشَت بِالأَصفَرِ الشَّاحِبِ
ولَوَّحَت بالمُشتَهى مِثلَما
يَلُوحُ صَيدُ النَّهدِ لِلعَازِبِ
مَن لِي بِها؟ أو مَن مُعينِي عَلى
نِسيانِها سَفّاكةَ النَّاضِبِ؟
صَاحبتُها.. لكنّها كُلَّما
صاحَبتُها فَرَّت إِلى صَاحِبِي
طلَّقتُها سَبعاَ ومَا سُرِّحَت
مِن خَافِقِي أَو أَشبَعَت راغِبِي
ألقيتُها فِي اليَمِّ.. لكنَّها
تَفَرعنَت مِن طِينِها اللاّزِبِ
عَشراً بِماءِ النّارِ ذَوّبتُها
فَكَوَّنَتْهَا الرِّيحُ في ذَائِبِي
وهَا أنا أَرنُوإِليهَا كَمَا
يَرنُو كَفِيفُ الكَفِّ لِلنَّاهِبِ
أَصِيحُ يا مَن جَفّفَت أَبحُري
وحَاصَرَت نِيرانُهَا هَارِبي
تَلبَّسَتْنِي فَهيَ في كُلِّ مِا
مَنَّيتُ مِن آتٍ ومِن ذاهِبِ
يا أنتِ حَالَ الحَولُ فاستَدرِكي
وفَتِّحِي الأبوابَ أووارِبِي
تَقَافَزي كَالجَمرِ أو فاركُضِي
مِثلَ القَطَا مأمُونَةَ الجانِبِ
وكَشِّفِي عَن أَحرفٍ غَيرَ مَا
تُبْدِينَ لِي بالصَّادِقِ الكاذِبِ
إن أَخطَأَتْكِ العَينُ لا تَمكُثِي
مَدفُونَةً في ثَوبِكِ الرَّاتِبِ
تحَرَّكي، صُولِي، وجُولِي عَلى
جِلدِ الحُروفِ السَّاكنِ الصَّاخِبِ
ويَمِّمِي وَجهِي إلى وُجهَتي
لا تَترُكِي حَبلِي على غَارِبي
لا تَغسِلي بِالجَمرِ وَجهَ المُنى
ولا تَشُبِّي جَذوَةَ المَاءِ بِي
يا أنتِ إنَّ الخَوفَ يَجتاحُني
فَسَالِمِي بِالأمنِ؛ أو حَارِبي
لا تُهرِقِي حِبري فأغدُو بِلا
وَجهٍ أَلُمُّ الفَضلَ مِن سَائبي
ذابَت قَناديلُ انتظاري، وما
زالت يَدُ المَغلوبِ بالغَالبِ
وماتَ شُحرورُ النَّوَى فابعْثي
لي هُدهُداً مِن عَرشِكِ المَارِبي
ولا تَنَامي قَبل أَن يَنتَهي
زَيتي؛ ويُدْنِي كفَّهُ واهِبي
كَعَبرةٍ أقصَى مُناها بِأنْ
تَسِيلَ مِن جَفني إلى شَارِبِي