أبي! هل ترى في لوعة عبراتي؟
لقد كنت تأبى علّتي وشكاتي!
تكفكف دمعي، في حنان ورقّة
وتحرس ايامي من الحسرات
وترحم بؤسي، في مصاب وفاجع
فمن راحمي في أحلك الظلمات؟
ولم أر كالآباء في الناس رحمة
ولا مثلهم حدبا وطول أناة
وتكثر حسّادي بأنك لي أب
وتعفو، فأعفو عن ضلال عداتي
وأجدر خلق الله بالصفح، حسّد
لما وهب الرحمن من بركات
وتسعى الى الخير العميم وانّه
سبيل ضنى من غاشمين عتاة
وتدعو الى الحقّ القويم، وحربه
غباء طغاة، أو بلاء بغاة
وتهتف بالدين الحنيف مجلجلا
وما فيه من فضل ومن حسنات
وتأبى حياة الدجل والقوم هجَّع
ايعتزُّ قوم في دوام سبات؟
تعاف خضوع الناس للظلم والخنا
فتنصرهم من ذلَّة وشتات
تهز عروش الجور والسيف مصلت
بإيمان حرّ ثائر الدعوات
وتبني عقولا في الشعوب معلّما
ولولاك تاه القوم في الفلوات
وتستقبل الاحرار من كل امة
ابا مؤمناً في جرأة وثبات
رأوا فيك، والدنيا نفوس تضعضعت
فتى عطفه الغالي أحبّ نجاة
فلاذوا بظل وارف، في مديده،
امانُ غريبٍ … أمن مغتربات
ديارك أهل للكريم مشرّدا
ودنيا لاحرار سعوا وأباة
لقد كنت تبكي كل خلّ فقدته
قم انظر! فأهل الأرض رهط بكاة!
نعاك إليّ البرق فانهلّ مدمعي
وما مدمعي بالسهل في الازمات
بكيت الذي يبكيه علم وحكمة
وحرِّية محمودة الحركات
وتندبه الاخلاق في كل مجمع
نصير مساكين وكهف عفاة
واستاذ اجيال الى كل سؤدد
احاديثه من غاليات عظات
ومصباح شعب في ظلام ومحنة
وصوت بلاد جمّة العبرات
ففي "اليمن الميمون" من صوته صدى
وفي بلد "الصومال" رجع حياة
وفي "القدس" من انفاسه وبيانه
صرير جهاد صادق العزمات
وفي كل دار للعروبة صيحة
دوت من يراع خالد النفثات
يهيب بها الاحرار ان يتقدموا
الى عزّة مقصودة العرصات
له غرر الامثال في كل معضل
من الحكم الغرّاء في الصفحات
اعاد الى الفصحى جلال مجالها
واحيا هنا مغمورة الصدفات
يسهده شعب يئنّ توجّعا
بغير ظهير تحت رحمة عات
ويحزنه من يحمل القيد مرسفا
رعايا، صحايا فاجرين رعاة
ايرضى ابو الاحرار حكما مسلّطا
على أمة في فرقة وفوات
ايرضى ابو الدستور ان يحكم الورى
بغير كتاب الله، شرع عصاة
وفي يده مستشهد، لا يردّه
عن الله في الهيجاء ضرب قساة
اشد على الكفار من كل صارم،
اذا شدّ في حرب، وكل قناة
منابر في طول البلاد وعرضها
تنوح عليه عند كل صلاة
فكم صاح منها هاديا غير خائف
تألب اعداء ومكر جفاة
ينادي الى العلياء من كل منبر
ويستنهض الارواح منطويات
ويستلّ سمّ الصلّ من ناب غاصب
ويحمي حمى شعب بغير حماة
ويخطو على الافعى الكمين ويحتمي
امينا بربّ البيت في الخطوات
يصول بفكر عبقريٍّ فتنجلي
غياهب تطوي الأرض محتلكات
عرائس من اسلوبه وبديعه
حواسدها من خرّد وبنات
اذا ما فتى هزَّت معانيه شرّدا
سمعت صداها عند كل فتاة
يسيّر في الآفاق صحفا اريجة
معطّرة الانفاس مستعرات
سلامٍ على الاسلام، نارٍ على العدا
منزّهة عن فتنة واذاة
امير الصحافيين في كل منزل
وشيخ الحقوقيين في النزعات
وليث قتال، دون حق يغوله
عدوّ اخو حمق، وربّ حصاة
فيا رب! من ناديت، استاذ امّة
ويا رب! من لباك، صوت حياة
بقيّة جيل، من بهاليل ذادة،
بناة، كرام، صالحين، هداة
سعوا بكتاب الله، والكون قاتم،
فكان كتاب الله نور سعاة
بفضلك نادى المسلمين الى العلى
نداء دعاة، قانيتن، تقاة
أبي! الجم الخطب العظيم قصائدي
وان كنت تدري في الورى هتفاتي!
ففي "يثرب" احرمت معتصماً بها
وفيها رسول الله في الجنبات
تطوف وتبكي في خشوع ولذّة
فوالهفي! للأعين الشرقات!
وتشتاق وجه الله شوق متيّم
الى "مكة"، قدسيّة النفحات
تجلى لك المولى العزيز، ومن يفز
به، ينج في الدنيا من العثرات
فاقبلت في البيت الطهور ملبيا
شريف المحيا نيّر القسمات
فنم في هناء، في جوار "خديجة"
ونم في رحاب الباسط النضرات
حننت الى البيت العتيق، تبتّلا،
الا! فاطمئنّ اليوم في عرفات !