يا شامُ يا تاجَ الشرقِ العالي يا سَندُ
ويا جبينَ المدى إذ يزهو ويَعْتَمِدُ
جئناكِ ننسجُ من وهجِ الحنينِ مُعَلَّقًا
تسري حروفُه فوق العُلى وتَتَمَدَّدُ
نرفعُ لكِ اليومَ راياتِ الفخارِ قصائدًا
تخضعُ للوزنِ لا زيغٌ ولا نَكَدُ
فاسكني قلوبَ العاشقينَ ملوكةً
فهنا يُقاسُ على هواكِ كلُّ مُفْتَرَدُ
سُورِيَّةُ وَالْجُرْحُ فِي صَدْرِكِ يَتَّقِدُ
وَمِنْ دَمِ الْأَطْفَالِ بَابُ السَّمْرِ يُفْتَقَدُ
لَمَّا أَتَى الْجَوْرُ مِنْ غِيلَانِ مَعْمَلِهِمْ
قَامَتْ قِيَامَتُنَا وَالْبَغْيُ يَحشدُ
لَمَّا دَهَتْنَا سِنِيُّ الْقَهْرِ مُنْتَقِمًا
أَخَذْنَا نُدَوِّي وَلَا نَخْشَى مِنَ الْأَحَدُ
هَذِي الثَّوْرَةُ الشَّمَّاءُ أَوَّلُهَا نَدًى
وَبَعْضُ آخِرِهَا نَارٌ تَلَهَّبُ مُوقَدُ
نَهَضْنَا وَقَدْ كُنَّا حَدِيدًا فِي مَمَالِكِنَا
فَمَنْ يَكْسِرُ الْحَدَّ الَّذِي نَشَأَ مِنْ حَدَدُ
وَعَلَى الدُّخَانِ تَطَايَرْنَا لِنُخْمِدَ مَا
أَضْرَمَهُ الظُّلْمُ وَالْبَاغُونَ يَحْتَقِدُ
وَمِنْ حَمَاةٍ إِلَى دَرْعَا تَنَزَّهَ فِي
نَحْرِ الرَّدَى قَوْلُنَا لَا يَعْقِدُ الْجَلَدُ
هَذِي الْبِلَادُ إِذَا مَا قِيلَ إِنَّ بِهَا
مَوْتًا فَقُلْ لِلَّذِي قَالُوا هُنَا الْخَلَدُ
مَا خَانَهَا أَهْلُهَا يَوْمًا وَإِنْ بَذَلَتْ
مَا لَا يُبَذِّلُهُ إِلَّا الْفِدَاءُ إِذَا وُجِدُ
صَارَتْ سُيُوفُ الْعَدُوِّ الْيَوْمَ ثَابِتَةً
فِي الظَّهْرِ وَالصَّمْتُ مِنْ أَهْلٍ لَهُ سَنَدُ
وَغَانِمٌ جَاءَ يَحْمِلُ نَارَ مَعْبَرِهِ
يَبْغِي الْبِلَادَ وَمَا يَبْغِيهِ مُعْتَمِدُ
صَوْتُ الشَّهِيدِ إِذَا نَادَى بِمَقْتَلِهِ
قَالَ الثُّوَارُ جَمِيعُ الْقَوْلِ يَفْتَرِدُ
وَإِذَا صَرَخْنَا فَلِلْجَوْرِ الَّذِي بَغَتِ الْ
دُّنْيَا بِهِ وَلِيَوْمِ الْوَغْى يَتَّحِدُ
هَذِي الْجُرُوحُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ مَسْقِيَةٌ
مِنْ دَمْعِنَا وَالرَّدَى نَجْمٌ لَهُ أَبَدُ
وَنَحْنُ وَالْقَهْرُ يَسْتَبْدِدُ فِي عُرُوقِنَا
نَقُولُ لَا يَسْتَبِدُّ الظُّلْمُ إِنْ صَمَدُ
وَالْجُوعُ يَثْقُلُ فِي أَفْوَاهِ صِغْرِهِمُ
كَأَنَّهُ الْحَدُّ يَمْضِي فِي الْفَمِ الشَّدَدُ
وَالْقَهْرُ يَضْحَكُ مِنْ دَمْعِ النِّسَاءِ إِذَا
مَشَيْنَ لِلْقَبْرِ وَالسَّارِي بِهَا يَقْتَدُ
وَمِنْ فَوَاتِ الْمَدَى يَمْتَدُّ صَوْتُهُمُ
يَقُولُ مَا ضَرَّ إِنْ مِتْنَا وَإِنْ رَقَدُ
وَالْعَالَمُ الْيَوْمَ صَمْتٌ لَا حَيَاءَ لَهُ
وَالْقَلْبُ بِالْأَحْزَانِ مِنْهُ الْيَوْمَ يَنْفَرِدُ
سُورِيَّةٌ وَأَقَاصِيهَا تُنَادِينَا
هُنَا فَمَنْ يُجِيبُ إِذَا ضَاعَ الْمُهْتَدُ
مَا هَانَ خَطْبُ الْعِدَا يَوْمًا عَلَى بَلَدٍ
فِي كُلِّ مِنْبَرِهَا يَسْتَعْلِي الرُّشْدُ
هَذِي السَّوَارِي تَعَالَتْ فِي جَبِينِهَا
تَهْتَزُّ إِنْ ضُرِبَتْ لَا يَنْثَنِي الْعَمَدُ
وَمِنْ حَلَبٍ يَنْزِلُ التَّارِيخُ مُنْتَفِضًا
يُرِي الْوَغَى أَنَّهُ فِي الْحَزْمِ مُنْجَلِدُ
وَمِنَ الْغُوطَتَيْنِ سَيْفٌ قَدْ صَقَلْنَاهُ
حَتَّى رَأَيْنَاهُ يَلْمَعُ حَيْثُ يَنْتَصِدُ
لَمَّا تَقَدَّمَ جُنْدُ الظُّلْمِ مُقْبِلَهُمْ
عَرَفْنَا أَنَّ الصَّبْرَ فِينَا مُفْتَقَدُ
قُلْنَا هُنَا تُكْتَبُ الْأَمْجَادُ مُرْفَقَةً
بِالدَّمْعِ حَتَّى يَرَى مَنْ بَعْدَنَا السَّرَدُ
وَسُقْنَا إِلَى الْمَوْتِ أَفْوَاجًا مَنَازِلَنَا
وَالْقَلْبُ مَا هَانَ لَا مِنْ نَقْضِهِ نَكَدُ
وَمِنْ فَمَا حُرِقَتْ دُورٌ وَمَا سُفِكَتْ
أَرْوَاحُنَا وَالْعِدَا يَحْتَثُّهُمْ حَسَدُ
مَا زَالَ يَصْمُتُ أَهْلُ الْبَيْتِ مُكْتَئِبًا
وَالنَّارُ تَلْهَبُ فِي الْجَنْبَيْنِ إِنْ وَقَدُ
حَتَّى إِذَا جَاءَ صُبْحُ الْغَدْرِ مُزْبِدًا
جَاءَ الْيَقِينُ وَفِي كَفَّيْهِ يَنْعَقِدُ
قُلْنَا بِمِثْلِ الرَّدَى مَا ضَرَّنَا قَسَمٌ
إِنْ زَادَ نَزْدَادُ لَهُ صَبْرًا وَنَسْتَمِدُ
فَغَدَتْ مَآذِنُنَا فِي اللَّيْلِ صَامِتَةً
كَأَنَّهَا فَوْقَ نَبْرَاتِ الْحُزْنِ تَحتَشِدُ
وَتَحْتَهَا يَبْكِي الْأَسْحَارُ مِنْ أَلَمٍ
تَجْرِي دِمَاءُ الْهَوَى وَالصَّوْتُ مُرْتَعِدُ
وَالنَّخْلُ يَسْقُطُ مِنْ هَوْلٍ أَحَاطَ بِهِ
جُنْدٌ وَإِقْدَامُهُمْ فِي الْأَرْضِ مُغْتَمِدُ
وَكُلُّ شِبْرٍ مِنَ الْوَطَنِ ابْتَلَعْنَاهُ
حُبًّا وَلَكِنَّهُ الْيَوْمَ الدَّمُ الْمُعَدُ
فَمَا اسْتَقَلَّتْ خُطَانَا يَوْمَ نَسْأَلُهَا
إِلَّا وَقَالَتْ هُنَا نَمْضِي وَلَا نَحِدُ
وَمَا نَهَضْنَا إِلَى الْأَمْطَافِ نَحْمِلُهَا
إِلَّا وَقُلْنَا عَلَى الْأَرْوَاحِ نَسْتَنِدُ
وَمَا بَقِينَا عَلَى الْمِحْنَاتِ نَصْبِرُهَا
إِلَّا وَمِنْ صَبْرِنَا لِلْخُلْدِ مُنْتَمِدُ
وَالْقَوْمُ قَدْ يَطْمِسُ الْأَعْدَاءُ مَأْثُرَهُمْ
لَكِنَّهُمْ فِي سُبُلِ الْحَقِّ مُنْجَهِدُ
وَمَا سَيَطْمِسُ أَثَرَ الظُّلْمِ أُمَّتَنَا
مَا دَامَ فِينَا لِوَجْهِ الْحَقِّ مُعْتَمِدُ
وَلَيْلٌ عَلَيَّ اسْتَفْرَدَ الْحُزْنُ صَدْرَهُ
فَأَبْدَى لِيَ الْأَوْجَاعَ مِنْ كُلِّ مَرْصَدُ
أُحَاوِلُ نِسْيَانَ الدُّجَى غَيْرَ أَنَّهُ
يُجَدِّدُ أَحْزَانًا جَرَتْ فِي التَّجَدُّدُ
فَيَا سَارَةُ الْمَاضِي عَلَيَّ كَأَنَّمَا
يَصِيحُ أَعِيدِي نَبْضَ قَلْبٍ مُوَقَّدُ
وَيَا دَارَهَا هَلْ تُرْجِعُ الرِّيحُ وَقْتَهَا
إِذَا هَبَّتِ الذِّكْرَى عَلَى جَانِبِ السَّدُ
فَمَا كَانَ أَحْلَى مِنْ لِقَاكِ مُوَزَّعًا
عَلَى صَدْرِ لَيْلٍ فِي شُعَاعٍ مُفَنَّدُ
وَمَا كَانَ أَبْهَى مِنْ خُطَاكِ إِذَا سَرَتْ
كَمَا يَسْرِي النَّسْرِينُ فِي ثَوْبٍ مُوَرَّدُ
تَخَيَّلْتُهَا يَوْمَ الْفِرَاقِ مُغَيَّبًا
تُقَلِّبُ فِي طَيْفِي وُجُوهًا مِنَ الْغَدُ
وَأَدْرَكْتُ أَنَّ الْعُمْرَ لَوْ جَادَ كُلُّهُ
فَإِنَّ غِيَابَ الْحُبِّ أَفْجَعُ مِنْ رَدِّدُ
وَمَا زِلْتُ أَبْنِي مِنْ رُؤْيَاكِ مَلْحَمَةً
كَمَا يَبْنِي التَّارِيخُ أَمْجَادَ مُهْتَدِ
وَأَرْسُمُ فَوْقَ اللَّيْلِ ظِلَّكِ فَانْثَنَى
بِهِ نُورُ قَلْبِي مِنْ تَجَلٍّ مُجَرَّدُ
فَيَا سَارَةُ إِنْ كَانَتْ جِفَانِي ظَوَامِرًا
فَدَمْعٌ بِعَيْنِي لِلْوَدَاعِ مُتَوَرَّدُ
وَإِنْ غَابَ صَوْتُكِ لَا يَغِيبُ خَيَالُهُ
فَقَلْبِي لِذِكْرَاكِ الْجَمِيلَةِ فِي جَهْدُ
وَإِنِّي وَقَفْتُ الْيَوْمَ أَرْثِي مَفَاتِنًا
لَقَدْ خَلَّفَتْ فِي الدَّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ يَدِ
فَيَا لَيْتَنِي كُنْتُ الرِّيَاحَ لِأُرْجِعَنْ
إِلَيْكِ هَوَانَا مِنْ طَهُورٍ مُؤَيَّدُ
وَيَا لَيْتَ عُمْرِي مَا تَفَرَّقَ بَيْنَنَا
وَمَا لِلْهَوَى مِنْ سُلْطَةٍ غَيْرِ مُهْتَدُ
سُورِيَّةُ وَالصَّبْرُ فِيكِ مُخَلَّدُ
وَفِي صَدْرِكِ الْمَكْلُومِ نَبْضٌ يُجَدَّدُ
تَحَمَّلْتِ مِخْرَازَ الظُّلُومِ كَجَامِلٍ
يُوَاصِلُ مَشْيًا وَالْجِرَاحُ تُجَدَّدُ
وَمَرَّ عَلَيْكِ الطُّغْيَانُ مُنْسَدِلًا دَمًا
وَمَا انْحَنَتِ الرَّقْبَاءُ فِيكِ وَلَا الْيَدُ
وَجَاءَتْ جُيُوشُ الْأَرْضِ مِنْ كُلِّ وَجْهَةٍ
وَأَنْتِ كَجَبْلِ الصَّبْرِ لَا تَتَبَدَّدُ
يَحُفُّكِ ذِئْبٌ يَنْحَرُ الشَّعْبَ غَدْرَةً
وَأَنْتِ عَلَى جُثْثِ الصِّغَارِ تُقَيَّدُ
وَيَهْجُمُ خَوَّانُ الزَّمَانِ كَأَنَّهُ
لَهُ فِي دِمَاكِ سَبِيلُ قَهْرٍ يُؤَيَّدُ
وَلَكِنَّ فِي عَيْنَيْكِ ضَوْءَ كَرَامَةٍ
يُفَجِّرُ فِي صَدْرِ الزَّمَانِ وَيُوقِدُ
وَيَنْبُتُ فِي كَفِّ الرَّمَادِ مُجَاهِدٌ
وَيَمْشِي عَلَى النِّيرَانِ وَالظُّلْمُ يَحْقِدُ
وَيَصْدَحُ فَوْقَ الْمَوْتِ طِفْلٌ مُقَاوِمٌ
يَقُولُ أَبِي حُرٌّ وَجَدِّي مُوَحَّدُ
وَيَصْعَدُ مِنْ رُوحِ الشُّهَدَاءِ نِدَاؤُهُمْ
وَفِي نَدَوَاتِ الْخُلْدِ نَبْضٌ يُرَدَّدُ
وَمَا انْكَسَرَتْ سُورِيَّةٌ يَوْمًا وَإِنْ
تَدَاعَى عَلَيْهَا الْغَدْرُ وَالشَّرُّ أَجْرَدُ
هِيَ اللَّوْزُ يَحْيَا فِي الثُّلُوجِ بُرُوعُهُ
وَيَحْمِلُ فِي عُودِ الْقَنَا مَا تُعَضَّدُ
هِيَ الْقُدْسُ فِي عَيْنَيْهَا وَفِي نَبْضِهَا
هِتَافُ أُنَاسٍ مُسْلِمِينَ وَتَعَبَّدُوا
وَمَا خَانَهَا إِلَّا الَّذِينَ تَقَاسَمُوا
دِمَاءً عَلَى الْمِيزَانِ وَانْفَخَمَ الْغَدُ
هُمُ الْخَائِنُونَ الْجُبْنُ وَالْغَدْرُ خُلْقُهُمْ
وَأَنْتِ لِأَهْلِ الصِّدْقِ دَارٌ تُوَحَّدُ
بِكِ ابْتَدَأَ التَّارِيخُ فِي صَبْوَةِ الضِّيَا
وَمِنْكِ تَعَلَّمَتِ الْمَجَرَّاتُ تَرْشُدُ
وَمَا زَالَ فِي حَلْقِ الزَّمَانِ سُعَالُهُمْ
إِذَا نَهَضَ السُّورِيُّ يَأْبَى وَيَصْمُدُ
وَيَا صَبْرَ أَيُّوبٍ الَّذِي فِي تُرَابِهَا
رِيَاحُ الْأَسَى مِنْ فَوْقِ أَعْظَامِهِ تَرِدُ
تَعَلَّمَ مِنْهَا الصَّبْرُ أَنَّ حُدُودَهُ
تُجَاوِزُ مَا لَا يَسْتَطِيعُهُ الْأَسَدُ
وَأَنَّ الظُّلُومَ وَإِنْ طَغَى مُسْتَبِدُّهُ
فَفِي كُلِّ قَبْرٍ مِنْ دِمَاهُ سَيُولَدُ
وَأَنَّ لَهَا يَوْمًا تُقَبِّلُ جُرْحَهَا
وَيَخْضَرُّ فِي أَرْضِ الدِّمَاءِ الْمُبَثَّدُ
هِيَ الشَّامُ هَيْهَاتَ الْجِبَالُ تُزَحْزَحَتْ
وَهَيْهَاتَ أَنْ يَبْقَى لِمُجْرِتَكِبِ الْغَدُ
هِيَ الْجُرْحُ لَكِنْ مَرْهَمُ اللَّهِ فَوْقَهُ
يُدَثِّرُهُ بِالنُّورِ حَتَّى يُعَبَّدُ
وَهِيَ الْفَجْرُ لَا تُخْفِي السُّرَى عَنْ جَبِينِهَا
وَلَا تَسْتَحِبُّ السِّرَّ مَا لَمْ يُفَنَّدُ
وَيَا وَطَنِي الْمَسْقُوفَ بِالدَّمْعِ حَوْلَهُ
سَتَرْفَعُ مِنْهُ الرُّوحُ مَا يَتَبَدَّدُ
وَيَا أُمَّةً صَبَرَتْ عَلَى الْجُرْحِ حِينَمَا
تَخَلَّى إِلَى جَوْرِ الزَّمَانِ الْمُؤَيَّدُ
سَتَكْتُبُكِ الْأَيَّامُ فَجْرًا مُزَمَّلًا
وَيَرْتَاحُ فِي ظِلِّ الْبَسَالَةِ مَوْلِدُ
سَتَأْتِي لَنَا دَارٌ وَأَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ
وَيُرْفَعُ عَنْ صَدْرِ الرِّضَا مَا يُبَدَّدُ
وَنَصْعَدُ فِي سُلَّمِ الْخُلْدِ حُرِّيَّةً
يُقَبِّلُهَا التَّارِيخُ فِيمَا يُخَلِّدُ
وَإِنِّي أَرَانِي فِي غُدُوٍّ مُبَشِّرٍ
بِقَوْمٍ إِذَا مَا قِيلَ قَامُوا تَحَمَّدُوا
سَيَأْتِيكِ مَوْعُودُ الْخَرِيفِ مُوَشَّحًا
وَيَزْرَعُ فِي أَرْضِ الشَّهَامَةِ مَرْوَدُ
وَيَجْرِي نَدَى الْأَيَّامِ فَوْقَ ضُلُوعِهَا
فَيُورِقُ مِنْهَا فَجْرُ حُرٍّ يُوَحَّدُ
وَتَخْلَعُ عَنْهَا اللَّيْلَ وَهْوَ مُكَتَّفٌ
وَيَلْبَسُهَا مِنْ نُورِ رَبِّكِ مَعْبَدُ
وَيَرْفَعُهَا فَوْقَ الْمَذَاهِبِ مِرْجَلٌ
يُقَدِّمُهَا فَجْرٌ وَخَلْفَهُمُ عَضَدُ
وَيَخْفِقُ فِي أَعْلَى الْجِبَالِ لِوَاؤُهَا
وَيَعْلُو عَلَى عَيْنِ الطُّغَاةِ وَيُكْمَدُ
وَيَهْتِفُ فِي بَابِ السَّمَاءِ مُنَادِيًا
دَمُ الشُّهَدَاءِ لَهُ فِي الْعِلِّيِّينَ مَوْرِدُ
وَيَكْتُبُ فِي صَحْرَاءِ حَوْرَانَ لَحْنُهُ
عَلَى صَفْحَةِ التَّارِيخِ مَا لَا يُبَدَّدُ
وَيُرْوَى مِنَ الْجُولَانِ أَنْفَاسُ صِبْيَةٍ
لَهُمْ فِي دُرُوبِ الْيُتْمِ صَبْرٌ مُحَمَّدُ
وَيَصْعَدُ مِنْ حِمْصٍ أَذَانُ صَلَابَةٍ
تَرَاهُ إِذَا مَا قِيلَ هَانُوا يَتَجَلَّدُ
وَيَمْتَدُّ مِنْ دِمَشْقَ نَبْضُ مَلَاحِمٍ
تُرَدِّدُهَا الْأَجْيَالُ وَالْخُلْدُ يُقْصِدُ
وَيَا حَلَبُ الْحُزْنِ الَّذِي فَوْقَ رَبْوَةٍ
يُقَبِّلُهَا التَّارِيخُ فِيمَا يُخَلِّدُ
وَيَا إِدْلِبُ الْمَكْلُومُ قَدْ ضِقْتِ مُرْغَمًا
وَلَكِنَّ فِي الْأَطْفَالِ قَلْبًا يُوَصَّدُ
وَيَا دَيْرُ يَا نَبْضَ الْفُرَاتِ وَصَوْتَهُ
لَهُ فِي ظُلُومِ الْمَوْجِ عَهْدٌ يُؤَبَّدُ
وَيَا جِسْرُ يَا بَدْءَ الثَّوَارِ وَمَنْبَعًا
تَرَاكَ هَوَى الْمَلْحُونِ لَا يَتَبَدَّدُ
وَمِنْ هَاجِسِ الْمَوْتِ الَّذِي فَوْقَ ظِلِّهِمْ
تَفَوَّهَ صَوْتٌ لَا نُهَانُ وَلَا نُطْرَدُ
وَقَامُوا كَرَفْعِ السَّيْفِ يَقْطَعُ ظُلْمَةً
وَيَنْقُشُ فِي وَجْهِ الْجِبَالِ مُوَقَّدُ
وَيَمْتَدُّ مِنْهُمْ ضَوْءُ حَقٍّ نَبِيلَةٍ
تُجَدِّدُ أَحْلَامًا وَفِيهَا نَتَجَدَّدُ
فَإِنْ سَاءَلُوا الْأَيَّامَ كَيْفَ بَقِيتُمُ
فَإِنَّكُمُ الْأَبْطَالُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ
تَعَوَّدْتُمُ الْقَهْرَ الَّذِي لَا يُقِيضُهُ
سِوَى عَضُدٍ فِي الصَّبْرِ يَسْتَبْعِدُ
وَأَنْتُمْ إِذَا مَا قِيلَ صَبْرُكُمُ انْتَهَى
تَجِدُّونَ فِي نَبْضِ الْقُرْآنِ تَوَسُّدُ
وَتَصْعَدُ أَرْوَاحُ الطُّهُورِ مُبَكِّرًا
إِلَى فَلَقٍ فَوْقَ الْمَلَائِكَةِ يَحْمَدُ
وَتَكْتُبُ فِي دُفْتَرِ السَّمَاءِ دِمَاؤُهُمْ
سِجِلًّا بِوَادِي الْخُلْدِ لَا يَتَبَدَّدُ
وَيَعْلُو نِدَاءُ الْحَقِّ فَوْقَ شِمَالِهِمْ
وَيَعْلُو وَفِي أَفْوَاهِهِ النُّورُ يُجْرَدُ
وَيَا بَشَرُ قَدْ خَانَ هَذَا الزَّمَانُ ضَمِيرَهُ
أَلَا فِيكَ مِنْ نَبْضِ الْفُؤَادِ تَعَهَّدُ
هُنَا سُورِيَا نَزْفُ الْحَقَائِقِ فِي يَدٍ
تُقَلِّبُهَا الْأَيَّامُ كَيْفَ تُسَدَّدُ
وَلَكِنَّهَا وَاللَّهِ لَا لَيْلُهَا انْطَفَى
وَلَا فَجْرُهَا فِي أَرْضِهَا سَوْفَ يُحْجَدُ
وَإِنِّي لَأَرْجُو مِنْ إِلَهٍ مُهَيْمِنٍ
بِأَنْ يَتِمَّ النُّورُ فِيهَا وَيَحْمَدُ
وَيَرْجِعُ أَبْنَاؤُهَا الَّذِينَ تَشَتَّتُوا
وَيَسْكُنُ فِي عَيْنِ الرَّجَاءِ مُوَعَّدُ
وَيَخْضَرُّ وَجْهُ الْأَرْضِ فِيهَا مُبَشِّرًا
بِأَنَّ الَّذِي قَالُوا هَوَى سَوْفَ يُسْعَدُ
وَتَهْتِفُ فِي وَجْهِ الزَّمَانِ مُعَلَّقًا
بِأَنَّ سُورِيَا حُبُّ رَبٍّ يُخَلَّدُ
ويا شامُ فيكِ الصبرُ يشهدُ أنَّهُ
على صخبِ الأحقادِ لا يَتَبَدَّدُ
وأنَّكِ مَهوى الروحِ مهما اشتدَّ الأسى
ولا احتدمتْ فيكِ الجراحُ وأُوقِدُ
وأنَّكِ في عينِ الملاحمِ قبلةٌ
تُجَدِّدُ ما ماتتْ قوافيهِ أو كَمُدُ
صبرتِ وما صبرُ الجبالِ صلابةً
كمثلكِ إذ يغتالُ طودًا مُرْصَدُ
وأمضيتِ في ليلِ المذابحِ شامخًا
تُقابلُ فجرًا من رجاءٍ مُوحَّدُ
وما ضاق قلبُ الشامِ يومًا وإنَّما
بكتهُ دموعُ السيفِ إذ لم تُفْنَدُ
ومن يعرفِ الشامَ التي وُلدتْ هنا
يدركْ بأنَّ الدمَّ الحرَّ المُخَلَّدُ
لها مسرحٌ إن جار دهركِ ساعةً
يُعيدُ لها المجدَ العزيزَ المُؤَبَّدُ
تقولُ الدروبُ التي ضاقتْ صامدةٌ
وما خذلَ التاريخُ صِدقًا مُهَنَّدُ
فكم وقفَ الأحرارُ فيها ملاحمًا
وكم فُتحتْ للحقِّ فيها التَّرَصُّدُ
ويا شامُ يا أمَّ البطولةِ إنَّنا
على جمرِها نمضي على العهدِ نُوقِدُ
نُقابلُ وجهَ الليلِ دون ملامةٍ
ونركعُ للهِ العظيمِ ونَسْجُدُ
إذا ما استبدَّ الخوفُ فينا نُجدِّدُ
إليكِ دعاءً من ضلوعٍ تُوقِدُ
فيا شامُ يا روحَ العروبةِ كلِّها
بكِ الكونُ يأتي في هواكِ يُجَدِّدُ
ويكفيكِ أنَّا حين نذكرُ اسمَكُمْ
تعودُ لنا الأرواحُ بعد تَبَدُّدُ
تعاهدْنَ يا شامُ أن لا نُفارقَهُ
هواكِ وإن جارَ الزمانُ المُبَدَّدُ
فصوتُ ثواركِ الأعزَّةِ لم يزلْ
يُنادي هنا حقٌّ وهنا لا نُهَدَّدُ
وهنا على طولِ الردى نتقدَّمُ
ولا نخشَ ظلمَ الحقيرِ المُسَوَّدُ
على جرحكِ السامي نُرتِّلُ أغنيةً
تُجَدِّدُ فينا الشوقَ شوقًا مُسَهَّدُ
ونكتبُ فوقَ الريحِ إنَّا لغيركمُ
لا نُسلمُ الدارَ ولا نَستعبَدُ
فما زلتُ أبني من هُداكِ حقائقًا
تفيضُ على روحي نقاءً مُفَرَّدُ
وأُكبِتُ دمعًا كاد يفضي بسِرِّهِ
ويهتكُ من صبري رداءً لمُهْتَدُ
وأمضي على دربِ الحنينِ مُوطَّنًا
مقامي في ظلٍّ من الشوقِ مُسْنَدُ
فإن سألوا عنّي فقولوا مُحبُّها
وقد خفقَتْ أضلاعُهُ خفقَ مُورَدُ
وإن سألوا الدربَ البعيدَ لمَ انثنى
يقولُ هواها قد جرى في المُوجَّدُ
وإنِّي إذا ما الليلُ ألقى رداءَهُ
أُحاوِرُ ظلًّا من فؤادٍ مُوحَّدُ
فيأتيني الطيفُ انثناءً كسِرِّهِ
يفتِّحُ من ذكراكِ بابًا لمُغمَدُ
وما برحتْ شمسُ الجمالِ تنيرُني
وإن غابتِ الآفاقُ عن نورِ مَسْعَدُ
وما زال قلبي للهوى في مقامِهِ
يُجَدِّدُ عهدًا في الضلوعِ لمُهْتَدُ
فأنتِ هو الأسمى وأنتِ ضياؤنا
وأنتِ لمعنى الحبِّ خيرُ المُفَسَّدُ
وإنِّي لأرجو أن يعيدَكِ وقتُنا
إليَّ كما يهوى فؤادٌ مُوَسَّدُ
فإن لم يكن دهري بقربكِ راحمًا
فقد كفى أنّي على العهدِ مُوقِدُ
وإن صدَّ عني الوقتُ ذاتَ مساءةٍ
فذكراكِ أبقى من سرورٍ مُوحَّدُ
وما زلتُ أرقى في سماءِ صبابةٍ
تُظلِّلُني فيها نجومٌ من الرَّدُ
فهذي ختامُ الملحماتِ وقد بدا
دموعُ هوانا في النفوسِ لمُسْنَدُ
هنا تُطوى الملحمةُ العظمى وتُعلَّقُ
على بابِ شامٍ حيثُ ينهضُ مَولِدُ
ويا شامُ إنَّ الشعرَ طفلُكِ دائمًا
يعودُ إليكِ وإن تاهتْ بهِ الأرضُ أو بَدُ
فتقبّلي الآنَ الختامَ مُكلَّلًا
بلحنٍ يُحاكي ما أرادَ المُتنبّي إذا أنشدُ