أقللْ ملامَك أنت لست بداري
إنَّ الملامَ مساءةُ الأحرارِ
لو كنت تدريني وتدري حالتي
لرثَيتَ لي في السرّ والإجهار
شفَّ الأسى بدني وأوهنَ قوتي
وفَرى وَتِيني كالحُسام الفاري
من فَرْط ما بي لم أزل متململاً
حيرانَ في الآصال والأسحار
أقضي الليالي ساهرًا متفكّرًا
قلقَ الفؤاد مُشتَّتَ الأفكار
أرعى النجومَ الزُّهْر تحت سدولِها
من ثابتٍ فيها ومن سَيّار
يا حيرتي يا حسرتي يا لوعتي
يا دمعتي يا غايةَ الأكدار
يا عيشتي السوداء في ذاك العنا
بعد الهنا يا ضيعةَ الأعمار
حسبي من التعذيب ما لاقيته
ورأيته في هذه الأعصار
ما هذه الدنيا بدار مسرَّةٍ
كلا ولا بِشْرٍ ولا استبشار
أفٍّ لدارٍ لا يدوم متاعُها
ونعيمها تبّاً لها من دار
بينا ترى الإنسانَ فيها مُثْريًا
سمحًا سريًا ساميَ المقدار
حتى تراه بعد ذلك مُعوِزًا
وَكِلاً مُقِلاّ لابسَ الأطمار
من يعرفِ الدنيا وأطوارًا لها
لم يلهُ بالدنيا ولا الأطوار
من يعرف الدهرَ الغدورَ وخونَهُ
يأمنْ خيانةَ دهره الغدَّار
من يعرفِ الأيام لم يحفِلْ بها
ويكنْ من الأيام رَبَّ نِفار
أمرُ المهيمن في البرية نافذٌ
حكم المُهيمنِ في البريَّة جاري
ماذا يقي الإنسانَ إن غلب القضا
وسرتْ عليه نوافذُ الأقدار
ما كلُّ شيءٍ في البرية كائنٌ
إلاّ بأمر الواحد القهار
فاقبلْ قضاء الله فيك ولا تكن
جَزِعًا وكن بالثابت الصبّار
فلعلَّ ما بك ينجلي ولعلَّ ما
بي ينجلي من هذه الأخطار
قلبي يحدِّثني بأن سعادتي
ستعودُ لي ومسرَّتي ويساري
ويؤوبُ لي فضلي ومجدي والعُلا
ومهابتي وسكينَتي ووَقاري
انا لا أشكُّ بأن حظِّي مُقبلٌ
من غير إخفاءٍ ولا إنكار
لكن على يد سيدٍ متأزِّرٍ
بمآزر الأخيار والأطهار
مولًى جليلٍ ما له من مُشْبهٍ
في سائر البلدان والأمصار
له رتبةٌ شمّاءُ بل ومكانةٌ
علياءُ عند الله والمختار
دينٌ ودُنيا حبَّذا ذاك العطا
مِن ذلك المُعطي الحكيم الباري
مَن شام وجهَه شام بدرًا طالعًا
متهلِّلاً مُتَلألئ الأنوار
يمشي وأملاكُ الإله تحفُّه
حفَّ الصحابة بالنَّبي الساري
لم يَخلُقِ الرحمن مثله في التُّقى
والزُّهد والطاعات والأذكار
عَفٌّ نقيٌّ طاهرٌ متطهِّرٌ
من سائر الآثام والأوزار
طلق المُحيَّا ضاحكٌ مُتهللٌ
زاهي الوضاءة واضح الإسفار
حُرٌّ سخيٌّ لا يُقاس بغيره
في فضله ونواله المدرار
عمَّ البريَّةَ بالسَّماحة والندى
وأنافَ بالآراب والأوطار
هو ملجأٌ للاجئين ومنزلٌ
للنازلين وكعبة الزوار
هو موردٌ للواردين ومنهلٌ
للناهلين ووابل الأقطار