جاءت تجرُّ حياءَها جِلبابا
والشوقُ سيلٌ أغرقَ الأهدابا
جاءت وملحمةٌ من الأحزانِ في
أنفاسها ممزوجةٌ أعنابا
كلماتُها كلمى، ومصحفُ وجهِها
نورٌ يمُجُّ من الدموع ضَبابا
جاءت وبي رَجُلانِ؛ غاوٍ صادقٌ
وأخوهُ يُظهِرُ زاهداً كذّابا
قالت: أبِيتُ على حروفك نشوةً
وأُفيقُ ألثمُ شِعرَك الخلّابا
يا أيها المجبولُِ بالشعر اقترب
مني فلسنا يا فتى أغرابا
ما بالُ عينيكَ استباحَت خَمرةٌ
ليلَيهما، وغَلَى الشعورُ حُبابا
مَنْ تِلكَ؟! مَن تلكَ التي عاثتْ بأشهى
نَظرتينِ خطيرتَينِ خَرابا؟!
جفناكَ بارا فتنةٍ مسكوبةٍ
والعشق يرفعُ فيهما الأنخابا؟!
وأنا أتيتُكَ مثلَ تشرينَ الذي
مازال يغسلُ بالندى الأعشابا
ما شأننا والحب؟! قل لي: ما لنا
، كمُراهِقَينِ، نطاردُ الأسبابا؟!
يا سادنَ الأحلام كيف تعيدنا
بعد المشيب زنابقاً وشبابا؟!
من أين تغترفُ المياهَ ووَقتُنا
رملٌ تراءى للعِطاشِ سرابا
ما هذه الألغاز؟! كيفَ تصوغُها؟!
كيفَ اجترَحْتَ رمادَنا إلهابا؟!
حتى استوى هذا الجنون بمهجتي
وأدار في أركانها الإضرابا
ما زلتُ عاشقةً وما من عاشقٍ
وافى لأفتحَ للهوى الأبوابا
ما زلتُ عاشقةً، وربِّكَ، لم أتُب...
أَ عنَ الهوى المجنون ذاك متابا؟!
عذراءَ؛ رغمَ مواسمِ الجسد التي
لم أستطعْ لكثيرهنّ حِسابا
لا شيءَ يقنعُني، خريفٌ مُوحِش
ما شالَ عن وجهِي الربيعِ حجابا
وبلادةُ(الروتينِ) تقتلُني كما
قتلَ السكونُ(الزيرَ) حينَ أثابا
أنا لست خائفةً، وليس بوسعنا
أن نستريحَ بحرقنا الأعصابا
لكنّني خجلى!، وشيءٌ غامضٌ
قد شابَ طَيَّ غِلالتي وأشابا
خجلى، وشيء لا يقالُ ألمَّ بي
ألديكَ عن هذا السؤال جوابا؟!
القهوةُ السمراءُ تنتظرُ، اسكبي
وتلذّذي بمذاقها ما طابا!!
ثم امنحينا فرصةً كي ننتهي
من حاضرٍ باغٍ، وأمسٍ غابا
من نشوةِ الفنجان تُنقذنا إذا
ذابَ الحوارُ بجملةٍ وأذابا
نحنُ الحقيقيّينَ نبذرُ عمرَنا
عشقًا ونحصدُ حسرةً ويَبابا
شاخت موانئُنا، ونحنُ نعيدُ
ترتيبَ السفينةِ والمُهاجِرُ آبا
يا بنتَ شوطَينِ الطريقُ طويلةٌ
ما خاب من حمل الهوى؛ إن خابا
لا(تلكَ) لا...، دَرويشُ قلبي أعمَلَتْ
فيه الحِسانُ وساوساً وحِرابا
وعزفْنَ عنهُ، بلا ارتواءٍ، أعيُنَاً
تبكي، وأخرى تستشيطُ غِضابا
ما حُزْنَ منه سوى الأسى وكآبةٍ
سالَتْ على ورد الخدودِ خِضابا
إلا مسافرةً بمجرى نزفه
كانت وحيدتَه التي ما ارتابا
كانت قصيدتَه، تدورُ بثوبه
الصوفيِّ، تبتزُّ العذابَ عَذابا
كانت أصابعُها تغازل نايَهُ
وعلى الثقوبِ تُفلسِفُ الإطرابا
ويسوقُ ألْماها الحديث كأنما
عزفٌ سماويٌّ يسوقُ سَحَابا
غرّاءَ مثلَ الشمسِ قبل صَلاته
من دفئها يستحضرُ المحرابا
كانت تدور، وكل شيءٍ ساكنٌ
من حولهِ، وتديرُه استغرابا
كان المدى المنثور، قابَ جديلةٍ،
يُعنى بتوليفِ الحريرِ(عَتابا)
كانت تشابهُ أختَها ولَهَاً،
وإغراءً، وغُصناً ناعماً وإهابا
ولمَ انتظرتَ؟! وما سأفعلُ؟!.. كلّما
رقصَ الدّلالُ، المستحيلُ أجابا
سكتَتْ ترواغُني وبي من حُسنِها
شغفُ الحديث، تنهّدَتْ فانسابا
وعلَت ملامحَها ملامحُ غَيرةٍ
كادت تشقُّ، بغيظها، الأثوابا
ثم استعادت وعيَها وتداركتْ
لتعيدَ ترتيبَ الوَقارِ عِتابا
مهلاً...! ولكنْ لم تقلْ: من أختُها؟!
(تلكَ...) التي تبتزّنُي استجوابا!!
إيّايَ تعني؟ مَن سواكِ تمرّدَتْ؟!
وتناستِ الأشواقَ والأحبابا
هل تذكرين وأنت أولُ دهشةٍ
عانقتُها كعناقِكِ الأطيابا؟!
هل تذكرينَ، وتلكَ عشرون انقضَتٰ
حُلُماً ظميّا ما ارتوى، ما شابا
واليومَ يشملُنا الزمان بعفوه
ويردُّ من أيامنا ما اغتابا
اليومَ نفترشُ الدموعَ وسائداً
ونغُبُّ كاساتِ الوصال عِذابا
في سجنه العُرفي خُضنا عُرسَنا
حُزنَينِ، فاكتملَ الحنينُ نصابا
ثم استفضنا والذنوبُ بريئةٌ
وتأدْلجَ الخطأُ البواحُ صوابا
في موسمِ الحجِّ الأنيقِ تأبّدَتْ
تلك الدقائقُ بيننا أحقابا
ما كان أجملَ أن نغافلَ دهرَنا
أن نسرقَ الغرقَ الجميل ذئابا
أن نستميتَ على العناق شراهةً
ألّا نخاف من الشذى ونَهابا
أن نحفرَ اللَّهَفات في أعماقنا
أن نُثمِلَ الأنفاسَ والأكوابا