يطوي القفارَ معرّضًا لهجيرها
فالرمل جمرٌ والهواءُ لهيب
يبدو ومظهره كمظهر سائلٍ
وبثوبه الرثِّ العتيق ثقوب
ما شأنه ماذا أضاع فإنه
متحيّرٌ بادي الذهول كئيب
هو فيلسوفٌ تائهٌ فحياته
لغزٌ محاطٌ بالغموض عجيب
شهد الورى هاموا بليل ضلالهم
والنور عن أبصارهم محجوب
ورأى لهم نظمًا تُناصرُ من طغى
أمّا الضعيفُ فحقُّه مسلوب
هجَرَ الأنامَ ولؤمهم أبقربهم
تصفو الحياة لنابغٍ وتطيب؟
وأحبّ أن يحيا بقفرٍ موحشٍ
يسْري به ظبيٌ ويعوي ذيب
كم سار من قفرٍ إلى قفرٍ وكم
عانى مشقّاتِ المسير وجاعا
يهوي لأغوار الحياة بفكره
وخياله في اللانهاية ضَاعَا
بهرَتْه أسرارُ الحياة ومُذْ بها
أمسى يفكّر ممعنًا فاْرتاعا
يسعى لكشف قناعها لكنه
يلفي قِناعًا إن أزال قِناعا
فظلام حيرته رهيبٌ أدكنٌ
وعليه لا يلفي اليقين شعاعا
متسائلاً دومًا عن الموت الذي
إمّا أتى لا نستطيع دفاعا
وعن العناصر فهْو يبصر بينها
مثل الأنام تصادمًا وصراعا
وعن الحياة فكم بها يبدو له
سرٌّ عميقٌ غامضٌ ما شاعا
هبط الظلامَ وللظلام إذا دَجا
فوق الصحارى روعةٌ وجلال
والفيلسوفُ تشوقه الظلماء إذ
فيها لأوهام النهار زَوَال
وبها انعدام المرئِيَاتِ فلا الحصى
فيها تبين ولا تبين جِبَال
وامتدَّ طَرْفُ الفيلسوفِ مصوِّبًا
للشهب وابتسمت له الآمال
وغدا يخاطب ذي النجوم فقال هل
يا شهبُ أسرارَ الحياة أنال؟
فإذا به يُصْغي لقولٍ رائعٍ
ما وازنته بسحرها الأقوال
هلاّ اتئدْ يا فيلسوفُ فقد مضت
قِدْمًا إلى دنيا الفَنا أجيال
ولسوف تمضي أنت إنك ذرةٌ
بفضا الوجود يصيبها اضمحلال
من أين هذا الصوت لا صوتٌ ولا
أحدٌ سواه بذي القفار يَهيم
لكنْ هواجسُه تحدِّثُه وإن
أصغى إليها يعتريه وجوم
والذكرياتُ تريه ماضيَه الذي
ما شوَّهَتْه مصائبٌ وهموم
وله خيالات الأحبة أصبحت
تبدو فسرّ فؤاده المكْلوم
وبدا له حرسٌ يحيط بقصره
وحديقةٌ فيها الطيور تحوم
وخيال سلطان المدينة قد بدا
يلقي حديث عتابه ويلوم
قد كان سلطان المدينِة خِلَّه
وبما يشاء الفيلسوف يقوم
ومضى يتمتم ليس في هذي الدنا
إلا شقاءٌ عاصفٌ وسُمُوم