ها قدْ ولدتُ ودوني الأمس قدْ شهقَا
ونزوة العمرِ زادتْ يومنا رهقَا
أستوحش الصُّبحُ وجهي بعد طلته
وحارسُ اللّيلِ آوى حلمَه النفقَا
إذ قال لي الوقتُ:... لم أفهمْ بلهجتهِ
يا مخصف الحرفِ فيك الشَّيب قدْ طفقَا
هناك في التيهِ أمضى إسمه ومضى
يسابقُ الرّيحَ حتَّى عانقَ الشفقَا
كانتْ لياليه أنْساً رغمَ حاجته
إلى النقودِ... أجل، لمْ يعرفْ الأرقَا
سحر الطبيعة والأجواء فاتنة
وراحة البال... كان الحال منغلقا
لو خافهُ اللَّيل... ذاك البدرُ يُرقُبُه
للبدرِ ثوبٌ يواري خلفه الغسقَا
يساور الشَّكُ- أحياناً- سعادتَه:
أتوجد الآن نفسٌ تنكرُ النزقَا؟
ولي بلادٌ... هنا ما زلتُ أجهلها
يبقى السؤالُ غريباً كلّما نطقَا
ما حاجة اللّيل للسُّمار إذ سكبتْ
هذي الدَّياجيرُ في أكوابِهِ القلقَا
والآن، بالرغم مما فيه من ترفٍ
في حضرة الماء، والبحر الذي انفَلَقَا
هذي المدينةُ- والأحلام تنسجها
أنامل الفجر، لكن حلمها سرقا
أزجتْ إليهِ ربيعَ العمرِ في شغفٍ
وأكرمتْه الهوى والمالَ والألقَا
تَفَرَّسَتْ فيه أحلاماً مؤجلةً
رأتْ بعينيهِ تاريخاً لها انبثقَا
لمْ يكترثْ... إنَّما في الحالِ ألْثَمَها:
آثرتُ-تُفٍّ- عليك البعدَ والحنقَا
قلبي إلى موطنِ الأجدادِ تسبقه
خُطَى حروفي، ونفسٌ تسكنُ العبقَا
أمسى هناك على شطِّ الولوجِ إلى...
يستعطف البحرَ: رفقاً بالذي عشقَا
وخِيفَةً أَوْجَسَت فِي نَفْسِهِ... فنأى
عن لهفةِ الماء... ثمَّ خاطبَ الأفقَا:
ما حاجة البحر للبحَّار إذ صدقتْ
فيه النُّبُوءاتُ حتَّى يعلن الغرقَا
تذَكّرَ الأمس، جاس الشّوق داخله
وعاتبَ النَّفسَ بالحبِّ الذي هرقَا
يقول- والعمرُ مازالتْ تراودهُ
حكايةٌ تسكنُ الأفكار والورقا-:
رجعتُ من غربة الأيَّام تحملني
هذي الدّروبُ إلى حلمي وقدْ سحقَا
عشرون عامًا وهذا اللّيل يعبرني
إلى ضياعي وحلمٌ جانب الطُّرقَا
إيهٍ "أُرُسْتد" لا التَّيَّار يسعفني
ولا التَّمغْنط يُذْكِي داخلي الألقَا
وكهرمان الهوى في خِدْرِ قافيتي
أضَاءَ للشِّعرِ حرفًا سامرَ الأرقا
لكنَّهُ لمْ يضِىءْ للفكرِ وجهتَه
وحدي وحرفي عيونٌ تحرس السَّرقَا
فاتَ القطارُ، وحرفٌ ضلَّ وجهتَه
ما قال حتَّى... ولكنْ حُزْنه نطقَا
والعمرُ ما بين ذكرى ماتَ كاتبُها
وأمنياتٍ تضاهي كلَّما سبقَا
عادتْ بهِ الريح، صوتٌ كانَ يحمله
وكان ما كان؟ أرث الأمس قدْ نَفَقَا
فلم تعد غير أطلالٍ، تذكره...
بالراحلين... دموعٌ تغزو الحدقَا