رنّت الأوتار سكرى اللحن، تَخْفَى ثم تظهرْ
صوتُها مختلف التوقيع، يعلو ثم يقصرْ
تارةً يمتد كالنور، وطورًا يتكسّر
تارةً كالنار، يذكو جاحم منه مسعّر
وأوانًا سلسل الأنغام، ينساب ككوثر
وأوانًا كنسيمٍ، وأوانًا مثل صرصَر
كاندفاع البحر في الشاطئ بالأمواج يزأر
أو كينبوعٍ بدا فوق صخور يتفجّر
فهْو ما ينفكّ يهذي ويغنّي ويثرثر
تلك أزهارٌ من الألحان تستهوي وتسحر
لغة للفنّ عجّت بمعانٍ ليس تُحصَر
في انسجام تلمس الأذنُ به الشوقَ وتُبصِر
وتؤدي أرَجًا للشمّ مسكيّاً معطر
بل أراها تبدع الحِسّ وتبدي وتصوّر
بعضه منفردٌ فذٌّ وبعضٌ متكرر
وضروبٌ نُظمت شعرًا وأخرى منه تنثَر
فتحت حولك آفاقًا فساحًا لا تقدّر
وتوافت نحوها الأطياف في حفل مشهّر
من بقايا بابلٍ أو إرمٍ أو عهدِ عَبْقَر
وتراءت بنت حوّاء على الملعب تخطُر
في غلالاتٍ رقيقاتٍ من الوشي المحبّر
رصّعتها يد فنانٍ بياقوتٍ وجوهر
نسجت فيها أعاجيبٌ من الألوان تبهَر
أبيضًا في أحمرٍ في أزرقٍ من بعد أخضر
قُزَحٌ تَحْكيه في يوم رقيق الغيم ممطر
أو خيالُ الشمس في الماء على ظلٍّ تصوَّر
خافقٌ، مشتبكٌ، مرتعدٌ، يُطوَى وينشَر
وكأن الثوب حيٌّ فوقها يلهو وينظر
وهو يكسوها، وتكسوه، فيمتنّ ويشكر
هام بالأعضاء والصدر هُيامًا فتفطّر
يُظهر الحسن، وما يخفي من الفتنة أكثر
أتراها لجّةً جُنَّت فقامت تتبختر؟
هاجها الإيقاع فارتاعت كما يرتاع جؤذَر
ماجت الأعطاف موجًا صاخبًا ترغي وتزخر
وتلوّى الخصر، يا ليت يدي للخصر مئزر!
وعلى الردف اتزان واكتمال وتجبّر
وتمطّى قدّها ثم تدانى فتحدّر
في انكماشٍ، وارتعاشٍ، واندهاشٍ، وتحيُّر
يتداعى الجيد والزندان في أبدع منظر
ويفيض الصدر من وجدٍ وشوقٍ وتأثّر
وحوالَي شفتيها قبلاتٌ تتخطّر
وغرامٌ رفّ في حاجبها لما توتّر
وعلى الأهداب تذبيلٌ عن الحب يعبِّر
يتوارى الجسم إذ تزورّ حينًا ثم يُسفِر
فنرى عند انفراج الذيل مرجانًا ومَرْمَر
نحن في كونٍ من البهجة طَلْقِ الوجه أزهرْ
لابسٍ برد شبابٍ، أغيدٍ أهيفَ أحور
كل شخصٍ نال من إمتاعه الحظّ الموفّر
ذكَر الخلد، به والشيء عند الشيء يُذكَر
يا لتشتيت النهى! يا للهوى! الله أكبر!