ما بَثَّ شَكْوَاهُ لَوْ لا مَسَّهُ الأَلَمُ
وَلا تَأَوَّهَ لَوْ لا شَفَّهُ السَّقَمُ
ولا تَوَهَّمَ أَنَّ الدَّمْعَ مُهْجَتُهُ
أَذَابَهَا الشَّوْقُ حَتَّى سَالَ وَهْوَ دَمُ
صَبٌّ لَهُ مَدْمَعٌ صَبٌّ يُكَفْكِفُهُ
فَتَسْتَهِلُّ غَوَادِيهِ وَتَنْسَجِمُ
فَطَرْفُهُ بِمِيَاهِ الدَّمْعِ فِي غَرَقٍ
وَقَلْبُهُ بِلهِيبِ الشَّوْقِ يَضطرِمُ
أَرَاد إِخْفَاءَ مَا يَلْقَاهُ من كَمَدٍ
حَتَّى لَقَدْ كَادَ بالسُّلْوان يُتَّهَمُ
يَرَى التجلد وَاْلأَجْفَانُ تَفْضَحُهُ
كَالْبَرْقِ تَبْكِي الْغَوَادِي وَهْوَ يَبْتَسِمُ
سَقَتْهُ أَيْدِي النَّوَى كَأسًا مُدَغْدَغَةً
فَمَا نَدَامَاهُ إِلاَّ الْحُزْنُ وَالنَّدَمُ
يُمْسِي وَيُصْبِحُ لا صبرٌ ولا جلدٌ
وَلا قَرَارٌ ولا طَيْفٌ ولا حُلُمُ
لَوْ لَمْ يُؤمَّل إلْمَامًا بِجِيرَتِهِ
لَكَادَ يَعْتَادُهُ مِمَّا بِهِ لمَمُ
قَالَ الْوُشَاةُ تَسَلَّى عَنْ أَحِبَّتِهِ
يَا وَيْحَهُمْ جَهِلُوا فَوْقَ الذي عَلِمُوا
تَوَهَّمُوا فِيهِ مَا سَاءَتْ ظُنُونُهُمُ
زَعْماً به ساء مَا قَالُوا وَمَا زَعَمُوا
أَنَّى يَمِيلُ إلَى السّلْوَانِ مُكْتَئِبٌ
بَاقٍ عَلَى الْوُدِّ والأَيَّامُ تَنْصَرِمُ
قَضَى بِحُبِّهِمُ عَصْرَ الشَّبَابِ وَمَا
خَانَ الْوِدَادَ وَهَذا الشَّيْبُ وَالْهَرمُ
أَنَا الْمُقِيمُ عَلَى مَا يَرْتَضُونَ بِهِ
مُصْغٍ إذا نَطَقُوا راضٍ إذا حَكَمُوا
مَتَى دَعَانِي هَوَاهُمْ جِئْتُ مُعْتَذِرًا
أَسْعَى عَلَى الرَّأْسِ إِنْ لَمْ يُسْعِف الْقَدَمُ
كَمْ قُلْتُ وَالْقَلْبُ مِنِّي آيِسٌ وَجِلٌ
بَيْنَ الرَّجَاءِ وَبَيْنَ الْخَوْفِ يَنْقَسِمُ
يَا قَلْبُ لا تَأْيَسَنَّ الْقُرْبَ رُبَّ غَدٍ
تَسْخُو بِقُرْبِهِمُ الدُّنْيَا وَنَلْتَئِمُ
وَيُصْبِحُ الْخَوْفُ أَمْنًا وَالصُّدُودُ رِضًا
وَالْبُعْدُ قَرْبًا وَتَدْنُو دَارُهُم وَهُمُ
وَيُسْعِدُونَكَ بِالْحُسْنَى فَعِنْدَهُمُ
مَكَارِمٌ وَلَهُمْ حُسْنُ الْوَفَا شِيَمُ
يُعْزَى الْجَمَالُ إِلَيْهِمُ وَالْجَميِلُ كَمَا
إِلَى المُظَفَّرِ يُعْزَى الْجُودُ وَالْكَرَمُ
مَلْكٌ عَطَايَاهُ أَغْنَتْ كُلَّ ذِي عَدَمٍ
حَتَّى اسْتَخَفَّ الْغِنَى وَاسْتَطْرَفَ العَدَمُ
تَأْتِي الْوُفُودُ إِلَيْه وَهْي مُمْلِقَةٌ
وَتَنْثَنِي وَلَهَا الأَمْوَالُ وَالْخَدَمُ
يَعْفُو عَن الْمُذْنِبِ الْجَانِي وَيُوسِعُهُ
لُطْفًا إِلَى أَنْ يَوَدَّ الذَّنْبَ مُجْتَرِمُ
مِنْ بَأْسِهِ لِلْعِدَى يَوْمَ الْوَغَى نِقَمٌ
وَجُودُهُ لِلْوَرَى يَوْمَ النَّدَى نِعَمُ
كَأَنَّ فِي كَفِّهِ يَجْرِي الْقَضَاءُ بِمَا
يَجْرِي بِهِ الْمَاضِيَانِ السَّيْفُ والْقَلَمُ
يَغْشَى الْوَغَى وَسُيُوفُ الْمَوْتِ حَاكِمَةٌ
بَيْنَ الْكُمَاةِ وَنَارُ الْحَرْبِ تَضطِرمُ
فَيُرْجِعُ الْخَيْلَ حَسْرَى مِنْ فَوَارِسِهَا
شَوْقاً يُعَثِّرُهَا الأَرْسَانُ واللُّجُمُ
مَا خَاضَ فِي كُرْبَةٍ إِلاَّ وَفَرَّجَهَا
مُفَرِّجُ الضِّيقِ وَالأَبْطَالُ تَزْدَحِمُ
وَمَا سَمِعْنا بِلَيْثٍ فَوْقَ سَابِحَةٍ
يَخُوضُ بَحْرَ الْمَنَايَا وَهْوَ مُلْتَطِمُ
مَنْصُورُ عَزْمٍ بِحَبْلِ اللهِ مُمْتَسِكٌ
مُظَفَّرٌ وَعَلَى اْلأَعْدَاءِ مُعْتَصِمُ
يُمْضِي الأُمُورَ بِرَأْي لا يُجَاوِزُهُ
وَهْمٌ ولا يَعْتَرِيهِ بَعْدَهُ نَدَمُ
هذا الذي تَعْرِفُ الأَيَّامُ أَنَّ لَهُ
مَنَاقِبًا مَا حَكَتْ عَنْ مِثْلِهَا اْلأُمَمُ
مَنَاقِبٌ لا يُطِيقُ الْعَد يَحْصُرُهَا
وَرُبَّمَا نَفَدَتْ فِي بَعْضِهَا الْكَلِمُ
وَذِي الصِّفَاتِ التي تُتْلَى عَلَيْكَ لَهُ
قَدْ حازها الشِّعرُ لولا أَنَّهُ حِكَمُ
يَا مَنْ لَهُ نِعَمٌ مَا مِثْلُهَا نِعَمٌ
وَمَنْ لَهُ هِمَمٌ مِنْ دُونِهَا الْهِمَمُ
وَكَاشِفَ الضُّرِّ عَنِّي حِينَ عَانَدَنِي
دَهْرِي وَقَدْ مَسَّنِي مِنْ جَوْرِهِ سَأمُ
قَصَدْتُ بَابَكَ أَرْجُو الْعَفْوَ فِيهِ وَغُفْ
رَانَ الذَّنُوبِ لِعِلْمِي أنه حَرمُ
وَأَنْتَ أَعْظَمُ مَنْ تُرْجَى مَوَاهِبُهُ
وَأَنْتَ أَجْدَرُ مَنْ يَعْفُو وَيَنْتَقِمُ
لا زِلْتَ في كَنَفِ الرَّحْمَنِ مَا شَرُفَتْ
بِكَ العُلا وَتَلا ذِكْرَ الإلهِ فَمُ
وَدُمْتَ مَا أَعْقَبَ اللَّيْلُ النَّهَارَ وَمَا
تَدَاوَلَتْ فِي السِّنِينَ اْلأَشْهُرُ الْحُرُمُ